الملاحدة الجدد وأزمة المرجعية: من صراع الحضارات إلى سؤال الأخلاق!!(الحلقة الثالثة)./المرابط ولد محمد لخديم

    لم يعد مفهوم “الإنسان الاقتصادي” مجرد نموذج نظري في كتب الاقتصاد، بل تحول إلى خلفية حضارية شاملة أعادت تعريف الإنسان ذاته. فالحداثة الغربية، في مسارها العلمي والفلسفي والاجتماعي، لم تكتف بإعادة تنظيم الإنتاج وأنماط العيش، بل أعادت صياغة معنى الإنسان من كونه كائنًا عاقلًا باحثًا عن الحقيقة، إلى كائن أداتي يسعى إلى تعظيم المنفعة والسيطرة.
   كانت مدرسة فرانكفورت من أبرز من تنبّه إلى هذا التحول؛ إذ كشف ماكس هوركهايمر وتيودور أدورنو عن انزياح العقل من أفق المعرفة إلى أفق الهيمنة. فالعقل، في صيغته الحديثة، لم يعد يسأل: ما الحقيقة؟ بل صار يسأل: كيف نتحكم؟ وكيف نُخضع الواقع لحساباتنا؟ حتى قراءتهما لملحمة الأوديسة لم تكن قراءة أدبية خالصة، بل محاولة للكشف عن الجذر الرمزي لعقل الحيلة والحساب، الذي يرى في العالم مادةً قابلة للتطويع.
    وقد تعزز هذا المنحى مع الثورة العلمية؛ فمع غاليلي صار الكون كتابًا رياضيًا، لا يُفهم إلا بلغة القياس والعدد. ومع رينيه ديكارت تكرّس الفصل بين الفكر والامتداد، لتتحول الطبيعة إلى موضوع خارجي يمكن إخضاعه واستغلاله. وهكذا تبلور عقلٌ كميّ يرى القيمة فيما يُقاس، ويُقصي ما يتجاوز الحساب.
    اجتماعيًا، تجسد هذا التحول في النمط الليبرالي والرأسمالي،(4) حيث أعيد تعريف الإنسان ضمن نموذج “الإنسان الاقتصادي” الذي يُفترض أنه يتصرف دومًا وفق منطق تعظيم المنفعة.
    ولم يعد الاختزال مقتصرًا على السلوك الاقتصادي، بل امتد ليشمل الدوافع والأشواق والغايات الإنسانية ذاتها، حتى تلك التي تبدو بعيدة عن السوق.
    وفي هذا السياق، رصد إدخارموران(5)كيف أنتجت التحولات التقنية وارتفاع القدرة الشرائية وتوسع وقت الفراغ نمطًا جديدًا من “فردنة الوجود”. فالثقافة الجماهيرية قدّمت نماذج سلوك وقيمًا تبدو كونية: الحرية الفردية، المتعة، المغامرة، السعادة…
    لكنها في العمق تعميم لقيم محلية تاريخية جرى تسويقها بوصفها أفقًا إنسانيًا عامًا. وهكذا تتحول أنماط عيش مخصوصة إلى معايير عالمية، وتُفصل عن سياقاتها الاجتماعية التي أنجبتها.
    غير أن هذا الاختزال الأداتي لم يمرّ دون ارتباك داخلي. فحين يستشعر العقل الغربي أن ثمة دوافع إنسانية تتجاوز الحساب النفعي، يحاول توسيع أفقه دون أن يغادر منطلقه الكمي. ويظهر ذلك – مثلًا – في اعتراف روبرت نوزيك في كتابه الفوضى، الدولة واليوتوبيا(6) بوظيفة المعنى في حياة الإنسان، مستلهمًا بعض الأبعاد الكانطية. غير أن هذا الاعتراف يظل محصورًا داخل الإطار الأداتي ذاته، دون مراجعة جذرية لمفهوم الإنسان.
    وهنا يبرز السؤال الأعمق: هل الإنسان مجرد كائن يسعى إلى المنفعة، أم أنه كائن ينزع بطبعه إلى إنتاج المعنى؟
إن الإنسان لا يكتفي بأن يعيش؛ بل يحرص على أن يفهم لماذا يعيش، وأن يضفي على وجوده دلالة. وهذه الحاجة ليست ترفًا ثقافيًا، بل خاصية أنطولوجية ملازمة لكينونته.
إن أي تصور حضاري يتجاهل هذا البعد سيظل قاصرًا، مهما حقق من إنجاز تقني أو اقتصادي.
    فالتقدم الكمي لا يعوّض الفقر المعنوي، والسيطرة على الطبيعة لا تمنح بالضرورة فهمًا أعمق للوجود. وبين عقلٍ يحسب وعقلٍ يبحث عن المعنى، هل الإنسان مجرد كائن يسعى إلى المنفعة، أم أنه كائن يسعى إلى المعنى؟
المنفعة تُشبع الحاجة، أما المعنى فيُشبع الوجود.
الإنسان قد يعيش بلا وفرة، لكنه لا يعيش بلا دلالة.
    قد يتكيف مع الفقر المادي، لكنه ينهار في الفراغ المعنوي.
   ولهذا يبقى أي مشروع حضاري يتجاهل البعد المعنوي مشروعًا ناقصًا، مهما بلغ من التقدم التقني. فالعقل الذي يحسب ليس هو ذاته العقل الذي يتأمل الغاية. وبين الحساب والبحث عن الدلالة تتحدد إنسانية الإنسان.
واقع العقل.؟!…..يتواصل…

  ملاحظة: اجعل لنفسك مشروع دعوة: فالدعوة اليوم مسؤولية الجميع، ولكل شخص دوره حسب موقعه وقدرته.

شاهد أيضاً

الملاحدة الجدد وأزمة المرجعية: من صراع الحضارات إلى سؤال الأخلاق!!/المرابط ولد محمد لخديم

         قبل عقد من الزمن كتبتُ هذه السلسلة، واليوم تعود بعض الوقائع …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *