لم تعد العطلة الصيفية في موريتانيا مجرّد فسحة شخصية للمسؤولين، بل تحوّلت إلى اختبار علني يكشف مستوى انتمائهم للوطن. هذا ما وعاه الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني حين دعا وزراءه وكبار المسؤولين إلى قضاء عطلهم داخل البلاد بدل الهروب إلى منتجعات الدار البيضاء وتونس ولاس بالماس وباريس.
فالصورة التي يتركها الوزير وهو يفضّل الخارج على الداخل ليست مجرد خيار شخصي، بل رسالة صادمة للمواطن: “نحن لا نمثلكم”. والأدهى من ذلك ما تتحدث به تقارير صحفية عن امتلاك بعض المسؤولين شققًا فاخرة في المغرب وجزر الكناري، وهو ما يجعل الدعوة الرئاسية هذه المرة امتحانًا سياسيًا وأخلاقيًا أكثر من كونها توصية بروتوكولية.
لكن، هل تكفي الخطابات وحدها؟ الحقيقة أن المسؤول والمواطن معًا بحاجة إلى بنية تحتية سياحية وخدماتية تجعل من العطلة الداخلية خيارًا جاذبًا لا مجرد واجب وطني. فالوطنية لا تعني التضحية بالراحة، بل الجمع بين الانتماء وجودة العيش. وهنا يبرز دور القطاع الخاص والإعلام معًا في الاستثمار والترويج، لأن السياحة ليست رفاهًا بل قطاعًا اقتصاديًا منتجًا.
التاريخ يعيد نفسه؛ ففي سنة 2003 اجتمع بنا الرئيس السابق معاوية ولد الطايع بعد فوزنا بجائزة شنقيط وأمرنا بقضاء العطلة في الداخل. كانت لفتة رمزية آنذاك، لكنها لم تعمّر طويلًا لغياب الظروف المشجعة. واليوم يتكرر المشهد مع فارق أنّ السياحة الداخلية باتت ورقة رابحة مهملة.
المفارقة أن وزارة الثقافة أعلنت عن تنظيم أربعين مهرجانًا هذا العام، لكن وزارة السياحة لم تستثمر الحدث لتسويق صورة البلد ولا لإشراك الجامعات والباحثين في اكتشاف كنوزه: من محمية آركين شمالًا، إلى حديقة جاولينغ جنوبًا، مرورًا بواحات النخيل، قلب الريشات، آزوكي، وقوافل الملح والحجيج. كلها ثروات ما تزال تنتظر من يخرجها إلى العالم.
إنها لحظة اختبار حقيقية: فإما أن تتحول الحكومة إلى رافعة للانتماء والتنمية المحلية، أو تبقى أسيرة ثقافة الاستهلاك الخارجي.
وفي النهاية، ليست العطلة مجرّد استراحة شخصية، بل رسالة رمزية إلى شعب بأكمله. والسؤال سيبقى معلّقًا: هل يثبت الوزراء أنهم أبناء هذا الوطن، أم يظلون مجرد مسافرين دائمين نحو مطارات الخارج؟
وهكذا بواسطة وسائل الصوت والصورة يراقب الرئيس حكومته عن بعد وماذا حققت في هذه العطلة!! فهل كانت هذه العطلة اختبار للحكومة؟!