من رمال الصحراء إلى بناء الجمهورية: سيرة قائد في ذكرى الاستقلال/المرابط ولد محمد لخديم


     في أجواء الاحتفال بذكرى الاستقلال الوطني65، يفرض الواجب والإنصاف أن نستحضر سيرة الأب المؤسس المختار ولد داداه، ذلك الرجل الذي نسج خيوط دولة من رمال صحراء متحركة، وصاغ هوية وطنية متماسكة في مجتمع كان تتجاذبه العصبيات القبلية والطموحات الإقليمية والدولية.

     بعد استقلال موريتانيا سنة 1960، وجد نفسه أمام مهمة تكاد تكون مستحيلة: بناء دولة من العدم؛ لا عاصمة مشيدة، ولا بنية تحتية، ولا مؤسسات قائمة، ولا ميزانية تكفي لسدّ الضروريات. ومع ذلك، استطاع بحكمته وبُعد نظره ودبلوماسيته الرفيعة أن يرفع اسم موريتانيا عاليًا بين دول القارة والعالم، مؤسسًا جمهورية ناشئة بجهد رجل دولة استثنائي.

     لقد كان المختار ولد داداه قائدًا من طينة الكبار:
مهندس الاستقلال وباني مؤسسات الدولة الحديثة.
منشئ الجيش الوطني، وناقِل العاصمة من سانت لويس إلى نواكشوط.

    واضع اللبنات الأولى للإدارة المركزية، وصكّ العملة الوطنية، ومؤمم شركة “مفرما”، ومقوّي قبضة الدولة وهيبتها.

     وإلى جانب هذه الإنجازات، تميز الرجل بخصال نادرة: التواضع، الزهد، النزاهة، والإيمان بأن بناء الإنسان أهم من بناء القصور. فقد عاش نظيف اليد، كبير النفس، مؤمنًا بأن القائد الحقيقي هو من يضع شعبه قبل ذاته.

شهادات خالدة

     ولعلّ من الشهادات التي تبقى محفورة في الذاكرة، ما قاله الرئيس الزائيري الراحل موبوتو سي سي سيكو:
“لو وجدنا عشرة زعماء مثلك، لما عانت إفريقيا من الجهل والتخلف.”

    وقد نقل هذه الشهادة العلماء والمفكرون، ومنهم الدكتور عمر عبد الكافي، مستشهدًا بقصة الزيارة الشهيرة سنة 1973، حين لاحظ موبوتو أن مضيفه، الرئيس المختار ولد داداه، لم يغيّر بدلته خلال ثلاثة أيام من الزيارة الرسمية. فأدرك زهد الرجل وبُعده عن مظاهر الترف.

https://youtu.be/t-GuI9PdV2I

    فعند مغادرته، سلّم موبوتو سكرتير الرئيس شيكًا بخمسة ملايين دولار ليشتري بها بدلات فاخرة من باريس “رفعًا للحرج”. إلا أن المفاجأة كانت بتحويل المبلغ كله لبناء المدرسة العليا للتعليم ENS، قصد مواجهة الأمية وتكوين الكوادر الوطنية. ومن هذه الهدية وُلد صرح علمي خرّج أجيالًا من الأساتذة والإداريين.

     وحين عاد موبوتو بعد سنوات إلى موريتانيا، استقبله الموريتانيون بلافتات تقول:
“شكرًا زائير… شكرًا موبوتو… شكرًا على الهدية القيمة!”
عندها عرف أن الهدية لم تكن بدلات… بل مدرسة أنقذت أجيالًا من الجهل.

رجال لا يموتون

    ويروي الأستاذ الدكتور محمد سيديا ولد خبازرئيس جامعة أنواكشوط ومدير المدرسة العليا للتعليم سابق. أن الأمانة كانت سمة ذلك الجيل، حتى إن تعويضات السفر التي لا تُصرف في مهمتها كانت تعاد للخزينة العامة. إنها مرحلة كانت فيها النزاهة ثقافة، والمال العام خطًا أحمر، والوظيفة تكليفًا لا تشريفًا.

    ولم يخلُ تاريخ تلك المرحلة من شهادات ناصعة، منها ما حدث في محاكمة الرئيس المالي الأسبق موسى تراورى، عندما اتهم بالاختلاس حين قال:
“هذه صفات يتصف بها جل الرؤساء الأفارقة… ولم يسلم منها إلا واحد هو المختار ولد داداه.”

    كما يحكي حاكم بتلميت السابق، سالم ولد ببوط، قصة زيارة الرئيس لوالدته في كوخ متواضع، وطلبه قرضًا بسيطًا قدره 12 ألف أوقية لإصلاحه، قبل أن يردّ المبلغ لاحقًا مرفقًا بورقة كتب عليها:
«Les bons comptes font les bons amis»
— الحسابات الواضحة تصنع الأصدقاء الواضحين.

     وعندما حاول بعض الإعلاميين بعد انقلاب 1978 تشويه فترة حكمه، استدعوا أمين الخزينة السابق أحمد ولد أعمر ولد أعلي، فرفض اتهامه بالفساد وروى لهم قصة مبلغ ضخم تلقاه الرئيس هدية شخصية من هوفويت بوانيي، لكنه أصر على إيداعه في الخزينة العامة مقابل وصل رسمي. فكانت تلك شهادة للتاريخ.

أين نحن من ذلك الزمن؟

    لقد غابت اليوم مفاهيم الدولة، وانهارت القيم التي تأسست عليها الجمهورية، فأصبح سباق المظاهر والثراء الفاحش علامة تمييز اجتماعي، وغابت المعرفة في بلد كان يسمى “شنقيط” منارة العلم والرباط. ومع ضعف الوعي وغياب ثقافة الدولة، أصبح المال الهدف الأول، ولو على حساب أمانة الوطن.
    وهو ماتحاول الدولة الآن محاربته في عيدها 65عن طريق حربها على الفساد وفك الارتباط بالقبيلة.

     رحل الأب المؤسس رحمه الله، لكن سيرته بقيت، وفضائله خُلّدت، وأفعاله تشهد له. كان زاهدًا عن الدنيا، عظيمًا في الأخلاق، مخلصًا في خدمة وطنه.

قد مات قوم وما ماتت فضائلهم…
          وعاش قوم وهم في الناس أموات.

هامش:
(*) المدرسة العليا للتعليم ENS تضم خمسة أقسام، وتخرّج سنويًا حوالي 300 أستاذ، وتكوّن أكثر من 600 طالب، كما تُعِدّ موظفي الدولة من مختلف القطاعات.
مقالات كتبتها سابقا:
الأب المؤسس المختار ولد داداه مواقف خالدة
الأب المؤسس المختار ولد داداه مواقف خالدة2.

شاهد أيضاً

جديد: دين الفطرة؛ استنطاق الرياضيات والفيزياء بلغة انسانية؛ )قراءة جديدة) المرابط ولد محمد لخديم

“دين الفطرة”: محاولة لإعادة تأسيس العلاقة بين العقل الكوني والوجدان الإنساني بقلم: د. عبد الجبار …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *