مقدمة: الاحتفال بين التحفظ والممارسة
قبل الدخول في الموضوع، نلاحظ وجود أصوات في المساجد وعلى مواقع التواصل الاجتماعي تحذر من الاحتفال بمولد النبي صلى الله عليه وسلم، بحجة أن الإسلام يحتفل بعيدين فقط: عيد الفطر وعيد الأضحى.
لكننا نعيش اليوم في زمن مادي يرى العالم من خلال المحسوس، حيث نحتفل بأعياد متعددة مثل عيد الميلاد، عيد المرأة، عيد العمال، وعيد الشجرة… فلماذا لا نحتفل بمولد سيد البشر صلى الله عليه وسلم؟
العالم قبل مولده؛
جاء مولد النبي صلّى الله عليه وسلم والعالم غارق في ظلمات الجهل والظلم؛ الناس حيارى بين أصنام تُعبد، والملوك يتجبرون على شعوبهم: كسرى في الشرق ببطشه، وقيصر في الغرب بظلمه، والضعفاء لا يجدون إلا القهر والاستعباد.
فكان ميلاده فجرًا جديدًا أشرق على البشرية، ليعيد للإنسان إنسانيته، ويخرج الناس من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد.
يقول أمير الشعراء أحمد شوقي:
أتيت والناس فوضى لا تمر بهم
إلا على صنم قد هام في صنم
والأرض مملوءة جورا مسخرة
لكل طاغية في الخلق محتكم
مسيطر الفرس يبغي في رعيته
وقيصر الروم من كبر أصم عم
يعذبان عباد الله في شبه
ويذبحان كما ضحيت بالغنم
والخلق يفتك أقواهم بأضعفهم
كالليث بالبهم أو كالحوت بالبلم.”
جاهلية جديدة بثوب الحضارة
حتى اليوم، ما زالت هناك قوى تتحكم في مصائر الشعوب، تقود إبادة جماعية، وتجوع وتعطيش شعوباً لم يشهد لها التاريخ مثيلاً. وأصنام اليوم ليست مجرد تماثيل، بل المال والشهوات والهوى…
فما أشد حاجة العالم الآن إلى رسالة محمد صلى الله عليه وسلم، رسالة الرحمة والعدل والهداية، لتنتشل الإنسان من جاهلية حديثة تلبس ثوب الحضارة.
مكانته العظيمة عند الله
رفع الله ذكر نبيه صلى الله عليه وسلم وقرن اسمه باسمه، وأقسم بحياته وبلده، وشرط طاعته بطاعته، ورضاه برضاه، وجعل الإيمان به وتعظيمه ونصره شرطًا للإيمان:
﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ (الأنبياء: 107)
﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ (القلم: 4)
﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (الأحزاب: 56)
فضل الصلاة والسلام عليه
قال الإمام الشعراوي رحمه الله: من صلى على النبي صلاةً، صلى الله عليه بها عشرًا، وكتب له عشر حسنات، ومحيت عنه عشر سيئات.
وجاء عن النبي صلى الله عليه وسلم:
“من صلى علي صلاة واحدة صلى الله عليه بها عشرا” (رواه مسلم).
وفي حديث أُبَيّ بن كعب رضي الله عنه:
“يا رسول الله، إني أُكثر الصلاة عليك، فكم أجعل لك من صلاتي؟”
قال: “إذن تُكفى همك ويُغفر لك ذنبك” (رواه الترمذي).
رحمته وهدايته وشفاعته
النبي صلى الله عليه وسلم هو المنقذ من الضلالة، والهادي إلى الصراط المستقيم:
﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ (الزخرف: 52)
﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ (التوبة: 128)
وهو الشفيع المشفّع:
“لكل نبي دعوة مستجابة، وأردت أن أختبئ دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة” (متفق عليه).
خصوصياته صلى الله عليه وسلم
قال النبي صلى الله عليه وسلم:
“أُعطيت خمسًا لم يعطهن أحد قبلي: نُصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض طيبة طهورًا ومسجدًا، وأُحلت لي الغنائم، وبُعثت إلى الناس كافة، وأُعطيت الشفاعة”
(رواه البخاري ومسلم).
حكم الاحتفال بالمولد الشريف
يرى العديد من العلماء جواز الاحتفال بمولد النبي صلى الله عليه وسلم إذا كان بعيدًا عن البدع والمنكرات، ويهدف لتعزيز المحبة والاحترام للنبي الكريم.
شيخ الإسلام ابن تيمية: من فعل ذلك محبة للنبي يؤجر على قصده، ومن تركه خشية البدعة فهو مأجور أيضًا.
العلامة عبد الله بن بيه: من احتفل بالمولد بذكر سيرته ومناقبه حبًا له دون مخالفات شرعية فهو مأجور إن شاء الله، ومن تركه خشية البدعة أيضًا يؤجر.
لماذا نحتفل اليوم؟
نعيش في زمن مادي يرى العالم من خلال المحسوس، وتؤثر وسائل الإعلام على عقول الناشئة. وما أحوجنا اليوم إلى أن نجعل من المولد النبوي فرصة لتعريف الأجيال بسيرة النبي صلى الله عليه وسلم، وبيان عظمته، وغرس محبته في القلوب.
أفضل الاحتفال بالمولد هو:
الاجتماع على ذكر سيرته _الإكثار من الصلاة والسلام عليه
ترجمة المحبة إلى عمل واقتداء بسنته.
شعارنا:
“السلام عليك أيها النبي” صباحًا ومساءً، حبًا واتباعًا.
اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
محبته ليست كلمات تُقال، بل اتباع واقتداء ونشر سنته في حياتنا.