في مثل هذا اليوم الموافق 12/02/2024 ترجل شيخي العلامة حمدا ولد التاه؛ غاب الجسد، وبقي الأثر علمًا وتربيةً وذكراً طيبًا في القلوب.
تشرفتُ بالاشتراك معه في عمل علمي بعنوان تائه يبحث: مدخل علمي إلى الإيمان، وهو كتاب يسعى إلى استكشاف ملامح العبقرية الشنقيطية عبر مقاربة علمية تجمع بين الأصالة والمعاصرة، من خلال مقارنة منهجية بين التعليم المحظري والتعليم النظامي، وتحليل التحولات الاجتماعية بين الحضر والبادية، بما يبرز خصوصية المجتمع الموريتاني.
وقد توزّع البحث على ثلاثة روافد كبرى:
الرافد البيئي: بما يحمله من أثر مباشر في صياغة الذهنية والبنية الاجتماعية.
الرافد اللغوي: باعتباره وعاء الفكر وأداة الحفظ والنقل والإبداع.
الرافد الديني: بما يمثله من عمق روحي ومصدر للقيم والمعرفة.
ولم يقتصر الطرح على الوصف، بل استند إلى أدلة علمية ولغوية وفلسفية ودينية، سعيًا إلى توجيه القارئ نحو فهم أعمق لهذه الظواهر والتحولات. كما توقف عند حقيقة كثيرًا ما يغفلها الباحثون في دراسة العبقرية الشنقيطية، وهي أثر العوامل الخارجية والفيوض الروحية التي لا يمكن تفسيرها بالعلوم الظاهرة وحدها.
كما يسلّط الكتاب الضوء على خصوصية البنية البدوية في المجتمع الموريتاني؛ فهي بداوة عالِمة تختلف عن النموذج الخلدوني التقليدي، إذ شكّلت أساسًا معرفيًا وروحيًا أصيلًا ظلّ يرفد المجتمع بطاقة فكرية وعلمية متميزة.
هذا العمل محاولة متواضعة لقراءة الذات الموريتانية قراءةً علميةً وروحيةً متكاملة، تبني جسرًا بين ماضٍ زاخر بالمعرفة، وحاضرٍ مليء بالتحديات، وأفقٍ إنساني رحب.
فرحلة “تائه يبحث” ليست مجرد تحليل علمي أو سرد تاريخي، بل تجربة فكرية وروحية تدعو القارئ إلى التأمل بين العلم والإيمان، وبين العقل والروح، وبين التراث والحداثة، لاكتشاف كيف يمكن للثقافة الشنقيطية أن تقدّم نموذجًا فريدًا لتكامل المعرفة الإنسانية مع الحكمة الروحية.
ولأن الكتاب لم يُطبع بعد، فسأحاول – بحول الله – تقديمه في حلقات متتابعة، وفاءً لذكرى الشيخ، واستمرارًا لما بدأناه معًا من مشروع علمٍ وبناء…..
آفاق فكرية بحث، معرفة، تبادل ثقافي