من “ ردم اوليگ ” إلى فصل الضباط: الدولة في مواجهة العصبية/المرابط ولد محمد لخديم

    يبدو أن رئيس الجمهورية، محمد ولد الشيخ الغزواني، ماضٍ في محاربة القبلية بكل حزم، وهو ما تجلّى مؤخرًا في قراره فصل ضابطين ساميين من الشرطة على خلفية مشاركتهما في أشعار تأبين قُدّمت باسم القبيلة. ويستحضر هذا الإجراء ما أقدم عليه الأب المؤسس الراحل المختار ولد داداه، حين فصل من الوظيفة كل من حضر وليمة كبرى أقامتها قبيلتان فيما عُرف بـ“ردم آوليكات”، باعتبار ذلك سلوكًا يتنافى مع منطق دولة المواطنة والمؤسسات، التي سعت منذ نشأتها إلى فك الارتباط مع البُنى القبلية بوصفها مؤسسات تقليدية متقادمة، لم يستمر نفوذها إلا بفعل توظيفها لخدمة مصالح شخصية ضيقة.
     وقد تناولتُ هذا الإجراء سابقًا في مقال قدّمتُ فيه قراءة ذاتية لتحوّل المجتمع الموريتاني من البداوة إلى الدولة، مبيّنًا أن هذا التحوّل لم يُواكَب بتحوّل قيمي عميق؛ فانتقلت البداوة إلى المدينة بدل أن تتلاشى، وخلّفت أزمة هوية واضحة.
كما أوضحتُ أن الصدام مع الحداثة لم يكن صدام أدوات بقدر ما كان صدام قيم، حيث جرى اختزال الحداثة في مظاهر الاستهلاك، مقابل تراجع القيم العقلية والروحية.
    وتطرّقتُ كذلك إلى علاقة القبيلة بالدولة، مبرزًا استمرار نفوذ العصبية داخل بنية الدولة الحديثة، وما يترتب على ذلك من إعاقة للتحوّل الديمقراطي، وضرب لمبدأ تكافؤ الفرص، وإضعاف لمفهوم المواطنة المتساوية.
     إن بناء الدولة لا يمكن أن يتحقق دون إصلاح ثقافي ومؤسسي عميق، وأن موريتانيا تقف اليوم أمام فرصة تاريخية حقيقية لتقديم الوطن والقانون على القبيلة والجهة.
     ولعل هذا النهج القائم على فصل عمال الدولة المشاركين في الأنشطة القبلية يشكّل بداية إصلاح جاد نحو ترسيخ دولة المواطنة والمؤسسات، إذا ما تمّ تعميمه وتحصينه بإرادة سياسية مستمرة، ورؤية ثقافية واضحة المعالم.

شاهد أيضاً

الحوار الوطني بين الخصوصية الموريتانية والتجارب الديمقراطية المقارنة/د. محمد الحاج محمود الطالب

  مواكبة لدعوة الحوار التي أطلقها رئيس الجمهورية محمد ولد الشيخ الغزواني،    يسعى هذا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *