ساءني؛ سرني: بقلم: د. محمد ولد أحظانا: رئيس منتدى الفائزين بجائزة شنقيط. رئيس اتحاد الأدباء والكتاب المورتيتانيين سابقا.

منذ أن قرأتُ مقال الدكتور محمد ولد أحظانا، شعرتُ بأنني لا أقرأ مجرد مقال عابر، بل أستمع إلى “صرخة ألم حقيقية” تعبّر عن وجع ثقافي ووطني عميق. فقد لمس الرجل، بصدقٍ مؤثر، حجم الخسارة التي يمثلها حذف نصوص أيقونة موريتانيا وشاعرها الكبير أحمد ولد القادر من المناهج الدراسية، وهو شعور وجد صداه في نفسي تمامًا. فما حدث، في تقديري، لا يمكن اعتباره مجرد تعديل تربوي عادي، بل هو إقصاء مؤلم لأحد أبرز رموز الأدب والفكر في بلادنا.
لقد كان أحمد ولد القادر، بالنسبة لي، أكثر من شاعر. كان صوتًا للحرية والكرامة، وعنوانًا للحداثة الشعرية في موريتانيا، ولسانًا وطنيًا وقوميًا صدح بقضايا الأمة، وفي مقدمتها فلسطين ولبنان. وما زلت أذكر، وأنا في بلاد الشام، ذلك الاتصال الذي تلقيته من أحد الإخوة في بيروت ليخبرني بأنهم كانوا بصدد إدراج إحدى قصائد الشاعر الكبير ضمن مناهجهم التعليمية، وهي القصيدة التي يقول في مطلعها:
عـرِّج بلبنـان واذر الدمـع منسجـمــــــــا
وابـك الهمـوم ولا تستنهـض الهممـا
لو ينفع الأهل شكوى الأهل مـا رحلـت
كتائـب الفتـح تحـدو البحـر ملتطمـا
مهـاجـــــــــرون بـأسـيـاف مـهـاجـــــــرة
تحكي السيـوف مضـاء والدمـاء دمـا
حينها غمرني شعور بالفخر، لأن صوت شاعر موريتاني استطاع أن يبلغ هذا المدى العربي الواسع، وأن يجد مكانه في وجدان أمة كاملة. لكن الألم يساورني اليوم وأنا أرى نصوص هذا الشاعر تُقصى من مناهج وطنه الذي أفنى عمره مدافعًا عنه وعن قضاياه.
لقد كان أحمد ولد القادر شاعرًا مناضلًا بكل ما تحمله الكلمة من معنى. لم يكتفِ بكتابة القصيدة، بل عاش مواقفه بإيمان وشجاعة، ودفع ثمنها سجنًا وتعذيبًا دون أن يساوم على مبادئه أو يتراجع عن قناعاته. وكان شعره دائمًا مشبعًا بقيم الحرية والمقاومة والأمل والكرامة الإنسانية.
ولذلك أتساءل، كما تساءل كاتب اامقال: الدكتور محمد ولد أحظانا، عن الأسباب الحقيقية وراء إبعاد نصوصه من مقرراتنا الدراسية، وعن الرسالة التي نوجهها إلى الأجيال الجديدة حين نحرمها من أدب أصيل يحمل كل هذا العمق الوطني والقومي.
ورغم هذا الإحباط، فقد وجدتُ ـ كما وجد غيري ـ بارقة أمل في المبادرة التي أطلقها صديقي الدكتور الشيخ معاذ سيدي عبد الله ،حين أطلق اسم أحمد ولد القادر على مكتبة المعهد التربوي الوطني. لقد بدا هذا الموقف وكأنه محاولة وفية لرد الاعتبار إلى شاعر كبير، وإشارة إلى أن الذاكرة الثقافية الوطنية ما تزال تجد من يحميها ويصونها. ورأيتُ في هذه الخطوة دليلًا على أن الوفاء للمبدعين لا يزال ممكنًا، وأن إصلاح المؤسسة التربوية يبدأ أولًا بالاعتراف برموز الوطن الثقافية والفكرية.
ومن هذا المنطلق، أضم صوتي إلى صوت الدكتور محمد ولد أحظانا Mouhamed H’dhana في مناشدة رئيس الجمهورية ووزراء التعليم بضرورة إعادة نصوص أحمد ولد القادر، وغيرِه من الأدباء الرواد، إلى المناهج الدراسية في أقرب وقت. فالأمم التي تقطع أبناءها عن تراثهم الأدبي والفكري إنما تحرمهم من جزء أصيل من هويتهم ووعيهم الوطني. وإن خسارة الأجيال الجديدة لهذا الإرث ليست خسارة أدبية فحسب، بل هي خسارة وطنية وثقافية كبرى
المرابط ولد محمد لخديم
المدير الناشر آفاق فكرية
.
نص المقال؛
ساءني؛ سرني:
بقلم: د. محمد ولد أحظانا: رئيس منتدى الفائزين بجائزة شنقيط. رئيس اتحاد الأدباء والكتاب المورتيتانيين سابقا.

ساءني:
أن في موريتانيا من أهل المعرفة والأدب: شعرا وسردا، و فتوة. من تسول له نفسه الأمارة بالسوء.. أن يفكر ويقدر .. (قتل كيف قدر، ثم قتل كيف قدر، ثم نظر ثم عبس وبسر، ثم أدبر واستكبر..) و يقوم ذات صباح أو ذات مساء، و يهز عطفيه بين الأوراق، ويمتشق سنان سوء طويته، و يتقلد سيف نظره الخاسئ المرتد، ؤيتنكب قوس طمعه الوقاب؛ ويشطب بجرة قلم كسيح على نصوص شعرية أنارت دروب الأجيال للشاعر المبدع المؤسس للحداثة الأدبية شعرا ونثرا في موريتانيا، الشاعر الرمز الذي أحبه الشعب، وأحب شعره المجنح كل الموريتانيين، و جميع اليسار الثوري العربي، وبعض اليمين، وأغلب الوسط؛
من إذا أطلق لقب (الشاعر) في فضاء غرب الصحراء كلها عرف بهذا الشرف دون منازع ولا مدع؛
يقوم هذا المجند المجهول بحذف جميع نصوصه الشعرية الرائعة من البرنامج المدرسي الموريتاني كله، ويخرج على الناس وهو يمسح عارضيه عن غبار عاره الذي لا يزيله مسح ولا ينقيه وضوء ولا يطيح به اغتسال، وقد امتلأ صدره الضيق كأنما يصعد في السماء، حبورا وإعجابا بنفسه الكسيرة، منتظرا الثناء والمكافأة؛
لماذا؟
لأنه حرم الأجيال الموريتانية من التعرف على شاعرها الأول.. عقابا له على إبداعه المتفوق، الذي لايزال سنام الشعر الحداثي الموريتاني، وضميره الوطني والقومي والحقوقي النابض.
الشاعر الشجاع الذي تجشم عناء التعذيب والسجن في سبيل وطنه، وعانى الأمرين دون أن يخشى رئيسا ولا مرؤوسا، أو يطمع في مكاسب شخصية مقابل الصدع بالحقيقة ناصعة، متمثلا قول عنترة بن شداد:
ولقد أبيت على الطوى وأظله* حتى أنال به كريم المأكل*.
الإنسان الشجاع، الشهم، الرائد، الذي تدين له كل أجيال الأدب والوطن وكبار الأدباء والمثقفين والسياسيين وقادة الرأي والفلسطينيين.، ببذر الاعتزاز بالنفس، وقوة الشكيمة الوطنية والحقوقية الحضارية.. في ذواتهم، فلا تزال جلجلة قصائده عن فلسطين، والعربية، والوطت، وحقوق الشعوب، تدوي في الضمائر رنينا عميقا، وموجا عاليا وأعاصير ذارية، وأغاني شجية، وآمالا مترعة:
تنشر الدفء والحياة وتنسي* نا وجوه العواصف الدكناء* ذاك ما لايشك فيه سوى من* قيدتهم خواطر الجبناء* إن رأى اليائسون فيه محالا* أو تجافوا عن نهجه بالتواء* فلعمري لقد أصيبوا بداء* ماله في حياتهم من دواء*.. إن للدهر مثل ماقد علمنا* دورانا يقضي على الأشياء* فشعاع الصباح يمضي الليالي* حلما في الدياجر السوداء* وابتسام الربيع يولد مهما* تعب الكون من دموع الشتاء*
فهل عاب منه صاحب القلم الكسير قوله:
حول ماض عشناه دمعا وحزنا* وانتفضنا منها انتفاض الكماة* حول ماض يعطيك قصة شعب* عبق بالفخار والمكرمات؟
أم عبتَ منه فحذفت نصوصه من المقرر المدرسي الموريتاني قوله:
الليل في غلوائه* والنجم في لألائه*.. أبناؤنا درسو العلوم* فهموا الثقافة والحياة* جاؤوا إلبنا مرة* قالوا لنا: أنتم بداة* من متحف التاريخ لا* تتحركون من السبات؟
أم لم يعجباك منه تعريجه على لبنان:
..مهاجرون بأسياف مهاجرة* تحكي القلوب مضاء والدماء دما*.. تقاسموا الخبز والموت المبجل والن.. نصر المدرج والأضواء والظلما..* إن القرون ليالينا نعد بها* دين الحقوق ونستقضي الذي ظلما؟
أم شنعتت عليه صرخته الهائلة:
نحن شعب قد صلّبته المآسي* صهرته الآلام والنكبات* نتلقى الشهيد عزا ونصرا* والضحايا توديعهم حفلات* ونغني للموت بل وتراه* في سبيل الحياة هو الحياة* ونغني حتى الجراح تغني:* في الجماهير تكمن المعجزات*
أم حز في نفسك فحجبت نور أحرفه الوضاءة وحكمته الخالدة بغربالك المتهتك ويدك الراعشة:
لا يرد الحقوق إلا نجيع* يتلالا كأنه الأرجوان* محلس الأمن خدعة والأماني* حول جدواه هدها الخسران* أرضه غابة النمور وليس ال* عدل في مسرح السبع يصان*؟
أم نبا ذوقك النابي عن زلال قوله، وأمره الحضاري لغير أمثالك من النجباء:
اقرأ كتابك فالحياة سراب* مالم يقدها في الدروب كتاب؟
تكفيك هذه الأسئلة يا من تختبئ وراء ثلاثة مجاهيل: جهل الجميع بك، وجهلك بنفسك، وجهلك الصافي.
لقد ساءتني هذه الجريمة الثقافية والحضارية، والخيانة الوطنية التاريخية لموريتانيا.

بالمقابل، سرني

أن يقوم الدكتور الكاتب المتميز، والطموح، والمعروف بتألقه المعرفي الشيخ ولد معاذ سيدي عبد الله بتسمية مكتبة المعهد التربوي الوطني الموريتاني على الشاعر أحمد ولد القادر، شجاعة منه، ومعرفة أصيلة، وكرم أرومة، ووفاء شخصيا، وتداركا للجريرة المرتكبة في حق من لايستحق إلا الإجلال والتقدير والتبجيل.
فشكرا له باسم المثقفين، والأدباء الوطنيين والخيرين. د كتورنا الفاضل امتناننا لك على هذه اللفتة الرائعة وهي ما يتوقع منك. وكنت كما توقعنا يوم قدومك إلى هذه المؤسسة، التي حولتها من مؤسسة صارت ذات غفلة بؤرة لطرد المبدعين من أرجائها، إلى مؤسسة تربوية محترمة واعدة مأمولة، سائرة على الدرب الذي أسست من أجله أصلا، ذات صحوة وطنية.

أخيرا:
أطلب منك ومن وزراء التربية والتعليم، ورئيس الجمهورية أولا، الذي نشكره على عنايته الخاصة بهذا الرمز الوطني: أن تعيدوا نصوص الشاعر العظيم أحمد ولد القادر إلى كتب المناهج الموريتانية على جناح الاستعجال، وكذلك غيره من المبدعين الأصلاء الذين حرموا من هذا الحق، فليس هناك جرم وطني: تربوي ولا كفر أدبي في الوجود أعظم من حرمان الأجيال الصاعدة -المتلهفة لأي شيء تعتز به- من نور الإبداع الأصيل لروادها.

شاهد أيضاً

سنيم عملاق الشمال الاقتصادي ليست للبيع!!/المرابط ولد محمد لخديم

       في ظل ما يُتداول من شائعات حول خوصصة الشركة الوطنية للصناعة والمناجم …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *