الرئيسية / فضاءات / نواكشوط(شنقيط): بلاد المليون شاعر… وشاعر!!/المرابط ولد محمد لخديم

نواكشوط(شنقيط): بلاد المليون شاعر… وشاعر!!/المرابط ولد محمد لخديم

 

أعلنتْ مُنظمةُ العالم الإسلاميّ للتربية والعلوم والثقافة (إيسيسكو)، عن اختيارِ العاصمةِ الموريتانيَّة نواكشوط لتكونَ «عاصمة الثقافة في العالم الإسلامي» لعام 2023،
     في كلمته بالمناسبة شكر المدير العام الدكتور سالم بن محمد المالك، ،رئيس الجمهورية على الاهتمام بهذه التظاهرة مشيرا إلى جدارة نواكشوط بلقب عاصمة الثقافة في العالم الإسلامي لما لها بصفة عامة من أمجاد في الشعر والأدب والفقه والنحو والصرف،
      وقد ساهم بقصيدة شعرية بعنوان: زهرة العواصم الثقافية ا.مطالبا بلاد المليون شاعر يتقبله.!!
فماهو المخزون الثقافي والعلمي الذي تحدثت عنه ايسسكوا والذي أهل انواكشوط عاصمة للثقافة الاسلامية؟!
    منذ القرنين 13 – 14 الهجريين والفكر الشنقيطي يواصل ارتقاءه الثقافي الدؤوب ارتقاء يمد جسرا للحاضر، ينقل عبره فكر بلاد شنقيط ليأخذ مكانه طيفا من أطياف الثقافة العربية الإسلامية موجها سلوكه ومساهما في تحديد مستقبله، وقد اكتملت أنسجته المعرفية وأعرافها الفكرية منذ ذلك الزمن، وتوارثتها الأجيال مكتملة عصية على التغيير، فقد صاغت كل عصاراتها الفكرية في الفقه والتصوف والأدب….
    فقد اتبع الشناقطة طرقا تنطلق من مبدأ الإحاطة الشاملة التي تذكيها إرادة صلبة في مقاومة جميع الظروف المعيقة للتعليم والتحصيل، لذلك كانوا يستظهرون كل المتون التي تقع في أيديهم بغض النظر عن موضوعاتها، على الرغم من بداوة الحياة وشظف العيش وانعدام المؤسسة المركزية، فقد حصّل الشناقطة علوما ومعارف كثيرة شملت مختلف جوانب الثقافة العربية والإسلامية، تجاوزتها أحيانا لتجيب على ما تطرح الحياة الشنقيطية من جزئيات ونوازل كان العقل يجتهد في صياغة أجوبة عنها معتمدا على معارفه، منطلقا من أصله الشرعي وآليته العقلية في قياس الشاهد على الغائب، وتعتبر النوازل والفتاوى حقلا معرفيا غنيا بالدلالات والرموز، لذلك  اعتني الفقه الإسلامي كثيرا بأمرها إلى درجة أن البعض اعتبرها كاشفا مهما لخفايا الأمة وأسرار الشعوب بل مصدر من مصادر التاريخ الإسلامي فالنوازل هي: العدسة الكاشفة لحياة الأمم كما أنها النافذة التي يطل من خلالها على صميم المجتمع حتى نستطيع الغوص إلى أعماقه والنفاذ إلى كنهه.
     هذه الثقافة لم تظهر دفعة واحدة بل تبلورت عبر مراحل ومجهود أثقل كاهل هؤلاء العلماء الأفذاذ في تحصيل دؤوب عن طريق قوافل الحج التي كانت تجلب الكتب من الحجاز ومصر وبلاد المغرب العربي وعن طريق الرحلات العلمية التي كان يقوم بها البعض بحثا عن الكتب و الورق. فقد ظل علماء الشناقطة يراسلون نظراءهم في البلاد العربية ويسألونهم عن نوادر المخطوطات وأماكن وجودها ،فكانوا يطلبون المخطوطات من السلاطين والملوك ويسافرون إليهم من أجل الحصول عليها. وقد أهدى سلطان المغرب لإبن رازكة مكتبة عاد بها من المغرب كما عاد الشيخ سيديا من رحلته إلى مراكش بمكتبة كبيرة وقد رحل الشيخ محمد اليدالي بن سعيد إلى أغادبر وعاد ببعض الكاغد الشاطبي وازدهرت سوق المخطوطات في بلاد شنقيط التي اهتم أهلها بالكتاب واشتروه بأثمان غالية، فقد اشتري “موهوب الجليل شرح مختصر خليل” للحطاب بفرس عتيق، كما أشتري القاموس المحيط بعشرين بعيرا!! .
    وانتشر نساخ المخطوطات الذين هم بمثابة دور للنشر وتنافسوا في استنساخ المخطوطات وجلب نوادرها، فكان ذلك ضمانة لبقاء هذه المخطوطات ونشرها في زمن لم تظهر فيه وسائل الطباعة الحديثة. وهذا ما يظهر جليا من خلال أشعارهم حيث تبين تلك القوافي مدى أهمية الكتاب في حياتهم، في حين غياب هذا الاهتمام في حياتنا، مع الفارق الكبير في ما توفر لنا من وسائل وما كان لديهم من إمكانيات، يقول محمد بن فتن:
لو كان يعذر باكي الكتب ذا الزمانا
                    بكيت من كتب الأسلاف ما دفنا
ويقول الشيخ أحمد الجكني:
  وقفت على كتب رثيت لباسها
             فقلت ودمع العين مني هامع     

   مضى أهلها و استحرقت وتأيمت
                   فليس لها باك ولا من يطالع

    لحا الله وارث لمال وما له
           لدى القلم من إرث فبئس الطبائع
      ووصل شغفهم بالكتاب واهتمامهم به إلى حد أن نسيان الوارث لها يعني ضياع العلم والمروءة والنسب جميعا، يقول محمد فال بن باب:
إذا الفتى عن عرف وعن كتب
                  وكان ذا ولد فاليحفظ الكتبا
إن ضاعت الكتب فالمعروف يتبعها
                وليس ذا ولد وليس ذاك أبا
        وهذا العلامة محمد اليدالي بن سعيد يخاف على كتابه الموسوم” ذهب الإبريز في كتاب الله العزيز” الذي تعب في تأليفه، يخاف من تفريط الوارث الذي لا يهتم بالكتب ولا يعرف قيمتها، يقول من قصيدة يختم بها كتابه الذهب الإبريز:
أخاف عليه وارثا لا يصونه
                ويزهد ما فيه من درر العلم
وأخشى عليه ناقدا أو محرفا له
           لم يكن في الرأس منه سوى اللحم
وأخشى عليه مستعيرا يضيعه
          ولم يدر ما قاسيت من تعب الرسم
إلى قوله:
فيا ليت شعري من إذا مت يعتني
                  به راغبا من وارث وبني عمي
    ووصل بطائفة منهم حب الكتاب إلى عدم إعارته، يقول شاعرهم في هذا الصدد:
تمسك بالكتاب ولا تعره ** فإن إعارة المحبوب عار
فإن الحب في الدنيا كتاب ** وهل أبصرتم حبا يعار
وهذا الشيخ سيدي محمد بن الشيخ سيدي:
يصف لنا مجالس هؤلاء الأعلام وطبيعة العلوم المتداولة آنذاك.:
وكم سامرت سمارا فتوا
              إلى المجد انتموا من محتدين
حووا أدبا على على حسب فداسوا
                   أديم الفرقدين بأخمصين
أذاكر جمعهم ويذاكروني
                بكل تخالف في مذهبين
كخلف الليث والنعمان طورا
          وخلف الأشعري مع الجويني
وأوراد الجنيد وفرقتيه
            إذا وردوا شراب المشربين
وأقوال الخليل وسيبويه
             وأهلي كوفة والأخفشين
نوضح حيث تلتبس المعاني
             دقيق الفرق بين المعنيين
وأطوار نميل لذكر دارى
           وكسرى الفارسي وذي رعين
وشعر الأعميين إذا أردنا
          وان شئنا فشعر الأعشيين
ونذهب تارة لأبي نواس
ونذهب تارة لأبن الحسين
       ويظهر من هذا النص كما في غيره من النصوص الكثيرة في الثقافة الشنقيطية أن المدونة المرجعية التي استقى منها الموريتانيون معارفهم كانت كثيرة, شملت كل تمظهرات الثقافة العربية العالمة, وعززتها روافد ثقافية شعبية وفلكلورية عميقة الدلالات متعددة الحضارات…
       هذه شذرات من قصة ثقافتنا وماضينا المجيد، تتجسد في حب اقتناء الكتاب ومجالسته، وهما ما كون ما يعرف اصطلاحا بثقافة (المحظرة) وهي الثقافة التي كانت عصية على المستعمر كحاجز منيع يصعب اختراقه..
     ويكفي (المحظرة) فخرا أنها وحدها هي التي وقفت حارسا أمينا وسورا منيعا في وجه المستعمر الفرنسي عند ما عجز سلاحنا غير المتكافئ. بذلك شهد شاهد من أهلها: CRISTIAN LAGREيقول المسمي(كريستان لجرى) في رسالة سرية إلى الوزير المعني في فرنسا ما خلاصته:« إن الأفارقة قلدونا في الملبس وفي كل شيء ماعدا موريتانيا التي تمثل الثقافة فيها أعلى مراقي المجد فما زالت لها مكتباتها(700 مجلد من شنقيط وحدها) ولهم قضاؤهم المستقل» ثم يقترح حلا لذالك الصمود, وهو زعزعة مكانة العالم, والمحظرة, وتشجيع أطفال المدرسة الحديثة بإعطاء المنح وفتح الكفالات وتوفير الملابس مجانا إلى أخر الاقتراحات…..
     هذه مساهمة أردت بها أن أشارك في هذا العرس الثقافي والانجاز العلمي الذي نعيش اليوم انطلاقته من نوكشوط(شنقيط) بمباركة ولفتة كريمة من رئيس الجمهورية محمد ولد الشيخ الغزواني الذي خصص وقتا لهذا الحدث الثقافي رغم مشاغله الكثيرة !!
  من هذاا المنبر أدعوا الكتاب والشعراء وأهل الكلمة بأن يتحملوا المسؤلية الوطنية في انجاح أنواكشوط عاصمة للثقافة في العالم الاسلامي.
    وأن يقبلوا المدير العام للمنظمة الاسلامية للثقافة والعلوم (ايسسكوا) الذي ساهم بقصيدته الرائعة: نواكشوط: زهرة العواصم الثقافية ولتصبح موريتانيا بلاد المليون شاعر وشاعر.

شاهد أيضاً

المدير العام ل “سنيم” SNIM يترجم أقواله الى أفعال!! / المرابط ولد محمد لخديم

   عندما عين الاداري المدير العام محمد فال التلميدي على رأس الشركة الوطنية للصناعة والمناجم …

اترك رد