مواكبة لدعوة الحوار التي أطلقها رئيس الجمهورية محمد ولد الشيخ الغزواني،
يسعى هذا المقال إلى تحليل الإشكاليات والعقبات التي قد تعوق الحوار بين الفرقاء السياسيين في البلد، (الحكومة والمعارضة وهيئات ومؤسسات المجتمع المدني)، وذلك عبرش عرض وتحليل أهم مقومات نجاح الحوار السياسي بالإضافة إلى تشخيص إيجابيات وسلبيات تعديل الدستور وتعدد المأموريات.
لا شك أن الحوار من أهم الظواهر الحضارية التي تنم عن النضج الفكري والسياسي، ومن أفضل المقاربات لحل الخلافات السياسية خاصة عندما يكون بناء وصادقا.
ولكي يكون الحوار بناء ويحقق الأهداف المرجوة منه لا بد من بنائه على أسس صحيحة من الناحية الفنية والإجرائية، وأول تلك الإجراءات التي يجب أخذها بعين الاعتبار هو انسحاب الدولة من التأطير والتوجيه الذي قد يخرج الحوار عن مقاصده، وتكتفى بوضع الإطار العام الذي يساهم في خلق فضاء آمن يمكن الجميع من المشاركة بحرية ويترك للشعب وللمتحاورين وضع الموجهات والمحاور العامة للحوار بما يضمن مراجعة الأولويات وتشخيص الممارسات وتقييم المكتسبات وفقا لمقتضيات المرحلة وما
تمليه المصلحة العليا للوطن.
إن نجاح أي حوار سيكون مرهونا بصحة المنطلقات والثوابت التي يبنى عليها ، ومن أهم تلك الثوابت التي تجب مراعاتها:
الاجماع والتوافق حول القضايا الجوهرية التي تشكل القاسم المشترك بين القوى السياسية ومؤسسات المجتمع المدني.
ثانياً ، الالتزام بمخرجات الحوار وما ينتج عنه، باعتباره قيمة ومكتسبا وطنياً لايجوز التفريط به، حتى لو كانت المخرجات لا تتوافق مع المصالح الخاصة للحكومة أو للمعارضة.
ثالثاً ، الشمولية في تناول الشأن العام وعدم التقوقع حول المصالح الحزبية أو الجهوية أو الشخصية الضيقة.مثل عدد المأموريات أو سن الترشح، فالمصالح العليا للوطن تعلو فوق الجميع، ولها الأولوية ، لذا يجب اعتبارها المرجع الأساسي وتناولها وفق مقتضيات المرحلة .
وبناء عليها يمكن اللجوء إلى كل الوسائل التي تحقق تلك المصالح، حتى لو اقتضى ذلك تعديل الدستور ومواده المحصنة. فالدستور وضع لخدمة الوطن لا ليكون عائقا وعقبة أمام تطوره، لذلك يجب أن يخضع للتعديل عند الضرورة ليواكب التغيرات السياسية والتطورات الاجتماعية والاقتصادية التي تتجدد مع مرور الزمن.
وعند استقرائنا لممارسة الدول الديمقراطية العريقة نجد أنها أقدمت على إجراء بعض التعديلات الدستورية، بغض النظر عن حداثة الدستور أو عدد المرات التي تم تعديله فيها أو الفارق الزمني بين التعديلات ، إذا اقتضت المصلحة العليا للوطن ذلك، بناء على توصيات ومخرجات حوار وطني شامل.
والدليل على ذلك أن هناك بعض الدول عدلت دستورها خلال سنتين وبعضها أجرى ثلاث تعديلات على الدستور في سنة واحدة. ولو أردنا أن نأتي بأرقام محددة ، نرى على سبيل المثال أن الدستور الأمريكي شهد 27 تعديلاً، أول تلك التعديلات جاءت بعد فترة وجيزة من إقراره، وشملت ما يسمى بالحقوق العشرة. أما الدستور الفرنسي فقد شهد هو الآخر تعديلات كثيرة بلغت 24 تعديلا، جاء أولها بعد سنتين من إقراره، ثم تم تعديله بعد ذلك ثلاث مرات خلال سنة واحدة ، والحال نفسه ينطبق على ألمانيا التي شهد دستورها 62 تعديلا.
إننا هنا لا ندعو إلى تعديل الدستور بقدرما ندعو المتحاورين إلى عدم اتخاذ الحفاظ على الدستور حجة تكبل جهودهم أو عقبة تحول دون الإصلاح وتحقيق المصالح. وفي الوقت نفسه هي دعوة إلى مراعاة التوافق والإجماع قبل أي تعديل، لأن الدساتير هي المرجعية العليا للشعوب لذلك لا تبني على الأغلبية بقدر ما تبنى على مشاركة وموافقة الجميع، وهذا من شأنه أن يكسب الدستور مصداقية واحترام كل أطياف المجتمع لأن نصه يتكون من مواد وجيهة وموضوعية روعي في وضعها التجرد من الذاتية والدوافع والمصالح الخاصة.
وبناء على ذلك أرى أنه من المناسب تقديم بعض التوصيات انطلاقا من التجارب والخبرات العملية للدول الأخرى التي سبقتنا للديمقراطية، وما شاب تجربتها من خلل في الممارسة بغية تجنبها.
إن من أكبر الإشكاليات والأخطاء التي وقعت فيها الديمقراطيات الوليدة خاصة في إفريقيا هي مسألة التماثل والاقتباس حيث نلاحظ أنهم يتبنون اقتباس دساتير دول أخرى دون الأخذ بعين الاعتبار المفاسد المترتبة على نقل تجربة سياسية أو نظام تشريعي ما، ومحاولة تطبيقه بتعسف في بلد آخر دون الأخذ بعين الاعتبار الفوارق السياسية والسياقات الزمانية والمكانية المختلفة. وقد نتج عن هذه المماثلة والمطابقة التي لا تراعي خصوصيات البلدان والشعوب، نتائج سلبية.
إن الديمقراطية علاج وكل علاج تؤخذ منه جرعات بحسب المريض وحالته وعمره. فلو اجتهدنا وأعطينا مريضاً جرعة مريض آخر بناء على المماثلة في الأعراض فقد تتسبب في وفاته، وكذلك الحال بالنسبة للديمقراطية قد تتحول من علاج إلى سبب من أسباب الفوضى والخراب إذا لم تراعي خصوصيات الشعوب والدول.
إن من أهم المبادئ التي يجب أن تؤخذ بعين الاعتبار أن الديمقراطية كنظام لا تولد مكتملة وإنما تنمو وتتطور مع الزمن، فهي ليست مجرد عملية اقتراع ووضع للدستور وتحديد للمأموريات، وإنما هي وعي وقناعة قبل أن تكون ممارسة. وكما هو معلوم فإن الوعي والقناعة تأتي بالتدرج، لذلك نلاحظ أن الدول الديمقراطية استغرقت وقتا طويلاً قبل أن تصل إلى ما وصلت إليه.
على سبيل المثال الدستور الأمريكي لم يحديد عدد المأموريات بشكلٍ فوري بل جاء الأمر مع تطور الزمن إلى أن وصلت الديمقراطية الأمريكية إلى مرحلة النضج فتم تعديل الدستور في ما يسمى بالتعديل الثاني والعشرين 22 Amendments ، سنة 1951، ونص التعديل على تقنين المأموريات وحددها بمأموريتين فقط ١٠ سنوات، وذلك بعد نجاح روزفلت الذي نجح في أربع مأموريات.
أما فرنسا فإن تحديد المأموريات جاء بعد خمسين سنة من دستور شارل ديكول 1958، أي دستور الجمهورية الخامسة ، فتم تقليص فترة المأمورية من سبع سنوات إلى خمس وتحديد عددها بمرتين فقط، بموجب تعديل الدستور سنة 2008.
أما الجارة السينغال أعرق الديمقراطيات الإفريقية فلم تتبن تحديد المأموريات إلا بعد خمسين عاما من استقلالها، بعد أن نضج الشعب وفرضها على حكومة عبدالله واد، ثم ماكي سل، سنة 2012.
ولو نظرنا إلى باقي الدول الأوربية التي تتبنى النظام البرلماني نجد أنها تقريباً كلها لا تتبنى تحديد المأموريات، في بريطانيا مثلاً ، لا يوجد سقف لعدد المرات التي يمكن لرئيس الوزراء أن يتولى فيها المنصب، لذلك تولت مارغريت تاتشر رئاسة الوزراء لمدة إحدى عشرة سنة، وفي ألمانيا قادت أنجيلا ميركل المانيا ست عشرة سنة، والحال نفسه ينطبق على باقي الملكيات الدستورية كإسبانيا وبلجيكا حيث يحق لرئس الوزراء البقاء في السلطة مادام لديه الأغلبية في البرلمان.
ولو نظرنا في المقابل للدول التي استعجلت في تبني نظام تحديد المأموريات دون أن تصل إلى مستوى النضج الديمقراطي سنلاحظ أنها كلها أو معظمها شهدت انتكاسات ديمقراطية وبعضها تحولت إلى دكتاتوريات عبر التعديل المستمر وبعضها الآخر شهد انقلابات عسكرية أعادت العسكر للحكم مثل مالي والنيجر، وغينيا كوناكري…إلخ
لكن في المقابل لا شك أن تحديد المأموريات له إيجابيات أهمها التداول السلمي للسلطة وعدم التقوقع والعودة إلى سياسة الحزب الواحد وتكريس الدكتاتورية والإقصاء، خاصةً في الدول والشعوب التي لديها قابلية لقبول الدكتاتورية والاستبداد. وهنا مكمن الإشكالية، لذا يجب على المتحاورين لو اقتضت المصلحة تغيير الدستور البحث عن صيغة توائم بين متطلبات المرحلة، مع مراعاة عدم فتح الباب على مصراعيه دون ضوابط لما يترتب على ذلك من المفاسد، والأمثلة على ذلك كثيرة حيث نرى بعض الرؤساء الأفارقة يرشح نفسه لمأمورية ثامنة، وبعضهم لمأمورية سابعة وهكذا، وكأن لسان حالهم يقول: القاعدة الوحيدة التي تحدد المأمورية هي من القصر إلى القبر.
د. محمد الحاج محمود الطالب.
رئيس مركز رائد للدراسات الاستراتيجية والتنمية.
الدوحة – قطر
آفاق فكرية بحث، معرفة، تبادل ثقافي