تناولنا في الحلقة الماضية الخصائص التي تجعل من تسمية “القرآن” إعجازًا في حد ذاتها، حيث حمل الاسم دلالاته ومعانيه العميقة منذ لحظة نزوله وحتى يومنا هذا….
وهذه واحدة من أعظم الإشارات التي تجعل القرآن الكريم كتابًا متفردًا؛ فهو ليس مجرد نص ديني، بل هو خطاب مباشر إلى العقل الإنساني والفطرة السليمة، يكشف عن سنن الكون، ويضيء للإنسان طريق الهداية.
العلماء عندما يكتشفون انسجام القوانين الطبيعية ودقة النظام الكوني، يدركون أن هذا الإبداع لا يمكن أن يكون عبثيًا، بل هو تجلٍّ لحكمة الخالق.
وعندما يقرؤون القرآن، يجدون أن هذا الكتاب لا يكتفي بوصف هذا النظام، بل يفسر الغاية منه، ويربطه بمصير الإنسان ومسؤوليته في الوجود.
إنها تجربة فريدة أن يشعر العالم بأن الله، خالق الكون، يخاطبه مباشرة من خلال كتابه، ليس فقط لإخباره بالحقائق، بل ليرشده إلى كيفية التفاعل مع هذه الحقائق والاستفادة منها روحيًا وعلميًا.
وهذا هو المعنى العميق لكون القرآن هدى للناس، فهو لا يخبرهم فقط كيف خُلق العالم، بل كيف ينبغي لهم أن يعيشوا فيه بوعي ومسؤولية.
مماسبق وبالمقارنة مع جميع الكتب السماوية والوضعية.. نرى ان تحد القرآن هو الأغرب في التاريخ، والأكثره إثارة للدهشة، فلم يجرأ أحد من الكتاب في التاريخ الإنساني ـ وهو بكامل عقله ووعيه ـ أن يقدم تحديا مماثلا، فإن مؤلفا ما لا يمكن أن يضع كتابا، يستحيل على الآخرين أن يكتبوا مثله، أو خيرا منه..فمن الممكن إصدار مثيل من أي عمل إنساني في أي مجال, ولكن حين يدعي أن هناك كلاما ليس في إمكان البشر الإتيان بمثله، ثم تخفق البشرية(*) على مدى التاريخ في مواجهة هذا التحدي، حينئذ يثبت تلقائيا أنه كلام غير إنساني، وأنها كلمات صدرت من المنبع الإلهي Divineorigin، وكل ما يخرج من المنبع الإلهي لا يمكن مواجهة تحدياته”(43)
على أننا ندعم هذا البرهان بميزان الاستقراء التام الدال على أن القرآن لا يمكن أن يكون كلام غير الله عز وجل كما يقول البوطي مستدلا على ذالك بأن عجز العرب كلهم عن الاتيان بمثله, دليل جلي علي أنه لا يمكن أن يكون من تأليف أحد منهم كورقة ابن نوفل، وبحيرا الراهب، أو غيرهما..
إذ أن الاحتمال مخالف لبرهان العجز الذي دلت عليه التجربة البشرية والمشاهدة على أن القرآن فيه تعليق على أحداث وقعت بعد موت ورقة وبحيرا (44)، فكيف يكون مع ذالك من إيحائهما أو تأليفهما؟؟
ونمضي في الاستقراء والبحث؛
أولا.يقول علم النفس التربوي: الكلام صفة لنفسية المتكلم.
ثانيا.الطريقة العلمية: وهي الملاحظة والتجربة والاستنتاج و تفرض على سالكها التخلي عن جميع الآراء السابقة عن الشيء الذي تجري عليه التجربة، كما أنها تفرض عليه إخضاع هذا الشيء أو هذه المادة لظروف وعوامل غير ظروفها وعواملها الأصلية وبالتالي لا يمكن أن تكون أساسا للتفكير بل تصلح أن تكون فرعا من أصل.
ثالثا.الطريقة العقلية: وهي الملاحظة والاستنتاج وهي الوحيدة التي تصلح أن تكون أساسا للتفكير.
والعقل هو إحساس وواقع ومعلومات سابقة ودماغ. فالإحساس جزء جوهري من مقومات العقل فإذا لم يحس الإنسان بشيء لا يمكن لعقله أن يصدر حكما عليه لأن العقل مقيد حكمه على الأشياء بكونها محسوسة ويستحيل عليه إصدار حكم على غير المحسوسات.
.
إذا طبقنا القاعدة الأولى؛
فإننا نجد أن الطبيعة الإنسانية تتجلى في نفسية المتكلم، لذالك نجد أن المحققين يستعينون لاكتشاف خفايا نفسية المتكلم لاسترجاعه إلى الحديث لاستزادة من الكلام.
هذه حقيقة علمية تدرس في علم النفس التربوي. ونظرا لأن الإنسان بشر مطبوع بالصفات البشرية المعروفة, فلا شك أنه عندما يتكلم تتجلى صفاته البشرية الإنسانية المختلفة من خلال كلامه..(45).
على ضوء هذه النظرية سنعرض للتساؤلات الموجودة في كثير من الجامعات والأكادميات العالمية والتي تقول: (إن القرآن كلام بشر) فيجب إذن أن تتجلى في هذا القرآن صفات البشر طبقا لهذه القاعدة العلمية.
بمعنى أن يكون القرآن مرآة للطبائع الإنسانية المختلفة, تماما كما يتكلم أي إنسان أو أي مؤلف كتاب، ولكننا عندما نقرأ القرآن ونلتمس فيه أي معلمة أو أي مظهر مما يتصل بالطبائع البشرية من صفات لا نجده.
فعلى سبيل المثال نقرأ في القرآن:
{أَوَلَمۡ يَرَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ أَنَّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ كَانَتَا رَتۡقٗا فَفَتَقۡنَٰهُمَاۖ وَجَعَلۡنَا مِنَ ٱلۡمَآءِ كُلَّ شَيۡءٍ حَيٍّۚ أَفَلَا يُؤۡمِنُونَ (30) وَجَعَلۡنَا فِي ٱلۡأَرۡضِ رَوَٰسِيَ أَن تَمِيدَ بِهِمۡ وَجَعَلۡنَا فِيهَا فِجَاجٗا سُبُلٗا لَّعَلَّهُمۡ يَهۡتَدُونَ (31) وَجَعَلۡنَا ٱلسَّمَآءَ سَقۡفٗا مَّحۡفُوظٗاۖ وَهُمۡ عَنۡ ءَايَٰتِهَا مُعۡرِضُونَ (32) وَهُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلَّيۡلَ وَٱلنَّهَارَ وَٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَۖ كُلّٞ فِي فَلَكٖ يَسۡبَحُونَ (33) وَمَا جَعَلۡنَا لِبَشَرٖ مِّن قَبۡلِكَ ٱلۡخُلۡدَۖ أَفَإِيْن مِّتَّ فَهُمُ ٱلۡخَٰلِدُونَ (34) كُلُّ نَفۡسٖ ذَآئِقَةُ ٱلۡمَوۡتِۗ وَنَبۡلُوكُم بِٱلشَّرِّ وَٱلۡخَيۡرِ فِتۡنَةٗۖ وَإِلَيۡنَا تُرۡجَعُونَ!} (35)
(سورة الأتبياء: 30_35).
هذه الآيات القرآنية ما من عاقل يقرؤها أو يصغي إليها إلا ويجد أنها تختلف عن الأفكار الإنسانية وطبيعة الإنسان ومهامه، وشؤونه، حيث أن الإنسان عادة ما يتحدث عن أشجانه، عن آماله، عن طموحاته، عن تجارة له، عن اهتماماته، وعلاقته بالآخرين. عن أعدائه وموقفه منهم عن أحبائه وأصدقائه، والصلة التي بينه وبينهم، يتحدث عن آماله في بناء أسرة، وفي جمع المال، عن آلامه التي تتعلق بجسمه أو التي تتعلق بأمور أخرى، عن أمنه عن طمأنينته، أو عكس ذالك..
هذا ما يتحدث عنه الإنسان أيا كان.ومن غير المعقول أن يتحدث في موضوع خارج عن دائرته الإنسانية وإذا أراد لا يستطيع..
فالمخلوق ليس من شأنه أن يتكلم ويجعل من نفسه خالقا، المخلوق الذي خلق بالأمس وسيموت غدا ليس من شأنه أن يقول خلقت النجوم بالطريقة التالية..وأبدعت السماوات على النهج كذا.. وأنا سأفعل بالخليقة الإنسانية كذا ..
إن هذه الآيات تتحدث عن مهمة أخرى ووظيفة أخرى لاعلاقة لها بأفكار الإنسان ومهامه وشئونه نهائيا. والملاحظ أن الموضوعات التي طرقتها ليست مما من شأنه أن ينسبه الإنسان إلى نفسه أو أن يدعيه لذاته. …يتواصل….