مع القرآن لفهم الحياة الحلقة: (8)/المرابط ولد محمد لخديم

وهذا ماعبر عنه أبو إسحاق ألشاطبي بقوله:” إن هذه الشريعة المباركة عربية، والله تبارك وتعالى صرح بأن الحكم في الإسلام حكم عربي، كما قال تعالى في سورة الرعد:
﴿ وكذالك أنزلناه حكما عربيا﴾(41) ومعنى هذا أنه حكم نزل بلغة العرب ويجب أن لا يحاول فهمه إلا من حيث يفهم كلام العرب بدلالات كلام العرب…
     ان نزول القرآن الكريم باللغة العربية، وما نجم عن ذالك من تقديس المسلمين للغة العربية كتقديسهم للقرآن .
وتقديس المجتمع لشيء من الأشياء يتطلب بالضرورة فهمه والمحافظة عليه. وهكذا ارتبطت اللغة العربية ارتباطا قويا بالإسلام لأنها مفتاح فهم العقيدة الدينية، ووسيلة المحافظة عليها ما بقي لهذه العقيدة معتنقون في المجتمع. ومهما يكن من أمر فإن اللغة العربية ما كان لها أن تبرح الجزيرة العربية، ولا أن تكتسح الأقطار المجاورة شرقا وغربا، وتنتشر فيها، وتؤثر في لغاتها، أو تحل محلها بالسرعة والكيفية التي عرفها صدر الإسلام، لولا أنها كانت لغة القرآن، ولغة فهم الدين الجديد، فالإسلام كان دفعا جديدا لرقي اللغة العربية وجاء        هذا الدفع على يد القرآن نسقا جديدا في التعبير إلى جانب الشعر والنثر، وكان القرآن الرابطة الأقوى بين اللغة والدين، فما يقوله القرآن يصبح القاعدة والمعيار حتى وإن لم يكن للعرب عهد به..
   لماذا سمي “القرآن” بهذا الاسم؟ وما الإعجاز في هذه التسمية؟
    يقول الدكتور محمود الخطيب الاستاذ بجامعة الأزهر في أصول كلمة قرآن(42) إنها تعني أن هذا الكتاب لن يغلبه أي كتاب آخر في القراءة إلى يوم الدين.
ووفقا للخطيب فقد حاول بعض المستشرقين نسبة كلمة قرآن للعبرانية في محاولة لسلب العرب كل ما يخصهم من حضارة..
     الكلمة عربية ولها جذور عميقة في اللغة وهي مشتقة من “قرأ”، وقد استخدمها العرب قبل 100 عام من نزول القرآن الكريم، كما يقول الخطيب.)
أصل التسمية ومعناها اللغوي؛
     كلمة “القرآن” مشتقة من الفعل “قرأ”، وهي تأتي من المصدر “قرآن”، كما ورد في قوله تعالى:
﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ (القيامة: 17).
وتحمل هذه التسمية أبعادًا لغوية وبلاغية عميقة، حيث تعني الجمع والقراءة المتواصلة.
     ومن ناحية أخرى، فإن الفعل “قرأ” في اللغة العربية له صلة بالتلاوة والإبلاغ، وهو ما يتناسب مع طبيعة القرآن ككتاب مقروء ومتلوّ في الصلوات والعبادات.
      والسبب في تسمية القرآن بهذا الاسم أن فعل”قرأ” له عدة مصادر من بينها “قرآن”، وقد ورد في قوله تعالى”إن علينا جمعه وقرآنه”. كما قال تعالى: {إِنّ هَذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلّتِي هِيَ أَقْوَمُ} الاسراء الآية:9. وقال: {وَقَالُواْ لَوْلَا نُزِّلَ هَٰذَا ٱلْقُرْءَانُ عَلَىٰ رَجُلٍۢ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ} الزخرف الآية: 30.
لكن الإعجاز في التسمية كما يقول الخطيب، هي أنها تعني أن هذا الكتاب سيكون الأكثر قراءة على مر العصور، بين كل ما عرف الإنسان من كتب.
      ومن الناحية الاصطلاحية، يقول الخطيب إن القرآن يعني آخر ما أنزل الله من الوحي على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، وهو الذي يتعبد به المسلم إلى ربه.
الأكثر قراءة ومبيعا عالميا؛
     وفقًا لما ذكره الدكتور محمود الخطيب، فإن إعجاز تسمية “القرآن” يكمن في أنه أكثر كتاب يُقرأ عبر التاريخ، وهي حقيقة تؤكدها الإحصاءات الحديثة، حيث وجد تقرير لليونسكو عام 1985 أن القرآن هو أكثر كتاب قراءة في العالم.
      كما تشير بعض المصادر إلى أن القرآن هو الكتاب الأكثر مبيعًا، حيث بيعت منه حوالي 3 مليارات نسخة، مما يرسخ مفهومه كـ”الكتاب المقروء عالميًا”.
تفرد القرآن بحفظه في الصدور والسطور.
من أوجه الإعجاز الأخرى التي أشار إليها الخطيب، أن القرآن هو الكتاب الوحيد الذي يجمع بين ضبطين:
   1. الحفظ في الصدور: حيث يحفظه ملايين المسلمين عن ظهر قلب، بمن فيهم الأطفال الذين قد لا يجيدون القراءة بعد.
    2. التدوين في السطور: وهو مدون كتابة منذ عصر النبي صلى الله عليه وسلم، مع ضبط دقيق للحروف والتشكيل.
ولا يُعتمد على أحد هذين الضبطين دون الآخر، إذ لا يُعتد بمكتوبه إذا خالف المحفوظ، ولا يُعتد بمحفوظ إذا خالف المكتوب، مما يجعله أكثر نص دقة وثباتًا عبر العصور.
التحدي اللغوي والإعجاز البياني.
    من اللافت أن العرب حين سمعوا القرآن، لم يجدوا فيه خطأً لغويًا أو نحويًا يمكن الطعن فيه، رغم أنه أحدث صدمة لغوية لهم.
     وبدلًا من أن يطعنوا في بلاغته، لجأوا إلى اتهامه بأنه “سحر”، كما قال الله تعالى:
﴿وَقَالُوا إِنْ هَٰذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾ (المدثر: 24).
    كما أن القرآن لا يحتوي على ترادف بالمعنى التقليدي، أي أن كل لفظة فيه موضوعة بدقة، بحيث لا يمكن استبدالها بأخرى دون أن يتغير المعنى الدقيق للسياق.
     وهذا يُظهر الإعجاز البلاغي الذي جعله يتحدى الفصحاء والشعراء، ويظل نموذجًا لغويًا متفردًا على مدى العصور.
خلاصة الإعجاز في تسمية القرآن.
     اسمه يدل على كونه أكثر كتاب قراءة في التاريخ.
هو الكتاب الوحيد المحفوظ في الصدور والسطور معًا، مما يضمن دقة نقله عبر الأجيال.
     تحدى العرب بلغته وبلاغته ولم يجدوا فيه خطأً أو ضعفًا لغويًا. ليس فيه ترادف، بل كل لفظة موضوعة بحكمة في موضعها.
     التسمية ذاتها تحمل إعجازًا في معناها وتحققها في الواقع، فالقرآن ليس مجرد كتاب بل هو “المقروء” عبر الأزمان، المتعبد بتلاوته، المحفوظ بطرق لا تتكرر مع أي كتاب آخر.
كل هذه الخصائص تجعل من تسمية “القرآن” إعجازًا في حد ذاتها، حيث حمل الاسم دلالاته ومعانيه العميقة منذ لحظة نزوله وحتى يومنا هذا…. يتواصل….

شاهد أيضاً

مع القرآن لفهم الحياة الحلقة(13). تساؤلات؟! واعجاز يتجاوز حدود الإدراك البشري!!/المرابط ولد محمد لخديم

     الروح ليست نقيضا للموت ولكنها العامل الأساسي لاستمرار الحياة.       أما …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *