د.أحظانا رائدُ الكتاب القصير/المرابط ولد محمد لخديم

 بعد كتابيه القصيرين «محاورة الواقع والوعي» و«محاورة الإبداع والآلة»، يأتي هذا الكتاب القصير الثالث في السياسة الدولية بعنوان: «أوروبا العتيقة وعالم ما بعد الزلزال الكوني المزدوج؟»، لا ليضيف كتابًا إلى رفّ المكتبة، بل ليضع إصبعًا عاريًا في جرحٍ مفتوح، طالما أصرّت النخب الغربية على إنكاره أو التعايش معه كأنه قدرٌ مؤجَّل.
    يثبت لنا الدكتور محمد ولد احظانا، مرة أخرى، أنه بحقّ رائدُ «الكتاب القصير» في زمنٍ أعرض فيه الناس عن قراءة الكتب الكبيرة. فطرح الإشكاليات لديه ليس ترفًا فكريًا، بل مواجهة مباشرة مع الأسئلة المؤجَّلة.
   ذلك أن انهيار الهيمنة الأميركية لم يكن حدثًا مفاجئًا، بل مسارًا طويلًا من التآكل البطيء، غير أن أوروبا العتيقة لم تنتبه إليه إلا حين تحوّل إلى وقائع فظة، جارحة، ومذلّة.
يقدّم الكتاب قراءة نقدية مكثّفة لمأزق أوروبا في النظام الدولي الراهن، من خلال تشخيص ما يسميه المؤلف «الزلزال الكوني المزدوج»: زلزال خارجي مصدره عودة روسيا القوية بقيادة فلاديمير بوتين، وزلزال داخلي أطلسي نابع من التحوّل العميق في السياسة الأميركية، خصوصًا مع صعود القومية اليمينية وعودة دونالد ترامب.
    ينطلق الكتاب من فكرة أن تراجع الهيمنة الأميركية لم يكن حدثًا مفاجئًا، بل مسارًا تراكميًا من التآكل، غير أن النخب الأوروبية لم تعِه إلا متأخرة، بعدما تحوّل إلى وقائع صادمة كشفت هشاشة أوروبا السياسية والاستراتيجية. ويرى المؤلف أن هذه النخب تخلّت عن التفكير الاستراتيجي لصالح التبعية، وعن السيادة لصالح الارتهان، ما جعل أوروبا عاجزة عن الفعل المستقل.
    يحلّل الكتاب الزلزال الروسي بوصفه ردًا استباقيًا على مشروع غربي طويل لتفكيك روسيا واحتوائها، بينما يعدّ الزلزال الأميركي أخطر، لأنه يمثل تفكيكًا ذاتيًا للغرب من الداخل، ونسفًا لمنظومة القيم والمؤسسات التي تأسست بعد الحرب العالمية الثانية، وعلى رأسها حلف شمال الأطلسي.
     ويخلص إلى أن أوروبا لم تعد شريكًا حقيقيًا للولايات المتحدة، بل عبئًا، وأن القيم الغربية تحوّلت إلى أدوات ظرفية تُستبدل بالابتزاز والصفقات عند تعارضها مع المصلحة الأميركية. في هذا السياق، يدخل العالم مرحلة أكثر خشونة وأقل أخلاقية، تتراجع فيها الدبلوماسية لصالح القوة العارية.
الكتاب لا يقدّم حلولًا جاهزة ولا عزاءً فكريًا، بل يسعى إلى تفكيك أنقاض النظام الدولي القديم، وطرح أسئلة مصيرية حول مستقبل أوروبا ودورها، ومصير العالم في ظل زلزال سياسي متصاعد بلا ضوابط واضحة.
المرابط ولد محمد لخديم.
المدير الناشر آفاق فكرية.
النائب الأول لرئيس منتدى الفائزين بجائزة شنقيط.

نص الكتاب؛
كتاب قصير (في السياسة الدولية)( الكتاب القصير الثالث).
أوروبا العتيقة: وعالم ما بعد الزلزال الكوني المزدوج؟
مقدمة
طرح إشكالات

     بعد تحول مؤشرات الهيمنة الآميركية على مدى السنوات الماضية إلى وقائع ميدانية شاخصة أوداهمة، في هذه الأيام؛ استيقظت أوروبا العتيقة (فرنسا، ألمانيا، إسبانيا، وإلى حد ما، إيطاليا جماهيريا) على انهيار مروع في القيم و العلاقات الدولية، نسف وينسف كل تقاليد السياسة الغربية، بجميع تجلياتها على مدى ثمانين سنة بالتحديد.
جاء التفطن لهذا النسف العميق متأخرا لضعف ملكة التخطيط والاستشراف، إن يكن البلادة، لدى نخب أوروبا الحاكمة حيث لم تع شيئا إلا بعد أن عاينت تشقق جدار الصرح العتيد الذي بنته أممها بعد الحرب العالمية الثانية المريرة (1939-1945م)، جراء زلزالين ضربا القارة العجوز من الشرق ومن الداخل.
  – زلزال الشرق بيد شخص طموح للثأر من الليبرالية الغربية التي هدمت امبراطوريته الكبيرة على رأسه: الاتحاد السوفييتي، وكانت تنوي الإجهاز على ما تبقى من أطلاله بالاستيعاب المزدوج: المؤامرات التفكيكية، والإغراءات البراقة، فتغدى بها قبل أن تتعشى به؛ إنه الدب الروسي بوتن.
    أما الزلزلة الداخلية فكانت في البيت الغربي نفسه وبيد صديق لدود، غير مصنف التفكير، متولد الأهداف، أطل من تحت الأطلسي ففجر “الناتو” تفجيرا متسلسلا بتسونامي كاسح، منذ بدأ في قص رجل الليبرالية كلها على مقاس الرِّجل الأميركية اليمين وحدها. وكان مركز تقاطع الزلزالين المدمرين سُرة أوروبا بطنا ومتنا.
    وإذا كان زلزال الشرق جانبيا و خارجيا من الناحية التاريخية (حرب أوكرانيا السوفيتية سابقا)؛ فإن الهزة الغربية كانت و ستكون أكثر تدميرا لأنها من داخل بيت حلف شمال الأطلسي؛ في عماده النظري والتداولي العميق (القواعد القانونية، والاتفاقيات، و وحدة الرؤية في الدفاع، والهيمنة على العالم بالتفاهم على نهب خيراته، والاحترام المتبادل للسيادة، وتبادل المصالح داخليا).
    بكلمة واحدة: نقض أسس كل العلاقات الأوروبية الآميركية، ثم العرفية الدولية بعدها منذ خطة مارشال إلى عودة اترامب الثانية قبل سنة واحدة،
لقد أنهت سنة واحدة كل شيء معهود في السياسة، والدبلماسية، والاقتصاد، والقيم الأخلاقية التداولية، والعلاقات العامة، والحرية، وتقرير المصير، والديمقراطية، والرأي المحلي والدولي.. أتت هذه السنة الحالقةعلى كل شيء معروف في عالم ماقبل اترامب الثاني، ولم تطرح إلا بدائل مروعة للأصدقاء قبل الأعداء.
   – فما هي المضاعفات المتوقعة على أوروبا والعالم، للرّج الزلزالي اترامبي الذي تجاوز عشر درجات على مقياس ريختر السياسي ولا يزال يصّاعد بتسارع خارج كل المقاييس؟!!
ذاك ما سنحيب عليه غدا في مدخل هذا الكتاب القصير.
الدكتور محمد ولد أحظانا رئيس منتدى الفائزين بجائزة شنقيط.

شاهد أيضاً

الدكتور محمدو ولد أحظانا يرد على المقال: “الأمير المجاهد الشهيد: سيد أحمد ولد أحمد عيدة – معلومات تاريخية حصرية عن رجل عظيم».

    في الأسبوع الماضي نشرتُ مقالًا مطوّلًا عن أمير آدرار، سيد أحمد ولد أحمد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *