ليست قضية جيفري إبستين مجرد فضيحة أخلاقية عابرة، بل نافذة تفتح على سؤال أعمق: ما الأساس الذي تقوم عليه الأخلاق في عالمٍ يفصل القيم عن الإيمان، والمعنى عن الغاية؟
حين تنكشف شبكات النفوذ والمال والعلم والسياسة، ويتورط فيها أفراد من نخب يُفترض أنها تمثل قمة التقدم الحضاري، فإن الخطر الحقيقي لا يكمن في تفاصيل الوقائع وحدها، بل في ما تكشفه من فراغ قيمي حين تنفصل المعرفة عن الهداية، والعقل عن الضمير، والحرية عن المسؤولية.
السؤال الجوهري هنا ليس: ماذا حدث؟ بل: ما الذي يضبط سلوك الإنسان حين يمتلك المال والسلطة والمعرفة؟ وهل يمكن قيام منظومة أخلاقية مُلزمة دون الإيمان بمعنى أعلى للوجود، ومرجعية تتجاوز الإنسان نفسه؟
حين يُختزل الإنسان في كائن مادي تحكمه المصادفة، تفقد الأخلاق أساسها الملزم، وتصبح القيم مجرد اتفاقات قابلة للتبدل، أو مشاعر نسبية تضعف أمام ضغط المصلحة والقوة. أما الرؤية الإيمانية فترى الإنسان مخلوقًا مكرّمًا، مسؤولًا عن اختياره، وأن وجوده ليس عبثًا بل ابتلاءً واستخلافًا؛ ومن ثم فإن الخير والشر ليسا اصطلاحين بشريين متبدلين، بل حقائق ذات جذور في الوحي، يترتب عليهما حساب وجزاء.
لقد ظل الدين عبر التاريخ إطارًا يربط بين عناصر التجربة الإنسانية الكبرى: المعنى والوجود، الحرية والمسؤولية، الأخلاق والجزاء. فلم يكن تجربة روحية معزولة، بل مشروعًا لتوجيه الإنسان وبناء العدل في حياته الفردية والجماعية.
ولا يعني هذا أن العلم سبب الاضطراب الأخلاقي؛ فالعلم في ذاته أداة معرفة، لكنه يحتاج إلى إطار قيمي يوجّه استخدامه. فحين تُفصل القوة عن القيم، والإنجاز عن الغاية، تتحول المعرفة إلى وسيلة بلا بوصلة، وقد تُسخّر لخدمة المصلحة بدل خدمة الإنسان.
إن القضية، في عمقها، ليست قضية أشخاص ولا فضائح، بل قضية رؤية للإنسان نفسه: هل هو كائن بلا غاية، أم مخلوق يحمل رسالة؟ هل الأخلاق نتاج توافق اجتماعي متبدل، أم استجابة لهداية أعلى؟ هل الحياة لحظة عابرة، أم طريق إلى حساب وعدل؟
هذه الأسئلة هي التي تحدد مسار الحضارات واستقرارها؛ فالأخلاق لا تنهار فجأة، بل يبدأ تفككها حين تُنزَع عنها جذورها، ثم تبقى أشكالها زمنًا قبل أن تفرغ من مضمونها.
وحدة الرسالات وأصل الدين:
تقدّم الرؤية الإسلامية تصورًا يعتبر أن أصل الدين واحد منذ آدم إلى خاتم الأنبياء: توحيد الله والخضوع له، وأن اختلاف الشرائع كان في التفاصيل لا في الأصول. ويشهد القرآن على هذا الامتداد حين يذكر دعوة الأنبياء جميعًا إلى التوحيد والاستسلام لله، من نوح إلى إبراهيم وموسى وعيسى، وصولًا إلى رسالة محمد صلى الله عليه وسلم.
والإسلام الذي جاء به رسول الإسلام محمد صلى الله عليه وسلم هو ذلك الدين الوارد [في لغة القرآن وهو ليس اسما لدين خاص إنما هو اسم للدين المشترك الذي هتف به كل الأنبياء، وأتنسب إليه كل أتباع الأنبياء].
هكذا نرى نوحا يقول لقومه ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ } [يونس :72].
وإبراهيم عليه السلام: {إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ } [البقرة :131].
{وَوَصَّىٰ بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَىٰ لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾[ سورةالبقرة: 132]
وأبناء يعقوب يجيبون أباهم: ﴿قَالُواْ نَعۡبُدُ إِلَٰهَكَ وَإِلَٰهَ ءَابَآئِكَ إِبۡرَٰهِۧمَ وَإِسۡمَٰعِيلَ وَإِسۡحَٰقَ إِلَٰهٗا وَٰحِدٗا وَنَحۡنُ لَهُۥ مُسۡلِمُونَ﴾. سورة البقرة الآية: 133
وموسى يقول لقومه: ﴿{يا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ } [يونس :84].
والحواريون يقولون للمسيح عيسى ابن مريم: { آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} [سورة آل عمران الآية: 53].
بل إن فريقا من أهل الكتاب حين سمعوا القرآن ﴿وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ
[سورة القصص الآية:53].
نرى القرآن يجمع هذه القضايا كلها في قضية واحدة يوجهها إلى محمد صلى الله عليه وسلم ويبين لهم فيها انه لم يشرع لهم دينا جديدا وإنما هو دين الأنبياء من قبلهم.
قال تعالى ﴿ شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰ ۖ أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ ۚ﴾ [سورة الشورى الآية: 13]
ثم ينظم القرآن الأنبياء في سلك واحد ويجعل منهم جميعا أمة واحدة، لها إله واحد، كما لها شريعة واحدة قال تعالى﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾. [سورة الأنبياء الآية: 92].
بهذا المعنى يصبح الدين إطارًا يربط المعرفة بالأخلاق، والحرية بالمسؤولية، والحياة الدنيا بالآخرة، ويمنح الإنسان غاية لوجوده ومعيارًا ثابتًا لقيمه.(*)
نخلص الى أن قضية إبستين ليست دليلًا على فشل العلم أو الفلسفة، كما أنها ليست برهانًا على استقامة كل مجتمع متدين؛ لكنها تكشف هشاشة الإنسان حين ينفصل العلم عن الأخلاق، والسلطة عن المسؤولية، والحرية عن المعنى.
وتعيد طرح السؤال القديم المتجدد: هل يستطيع الإنسان أن يؤسس أخلاقًا ملزمة بذاته فقط؟ أم أنه يحتاج إلى مرجعية أعلى تمنح القيم معناها وثباتها؟
ذلك هو السؤال الذي يتجاوز الضجيج الإعلامي، ويمسّ جوهر الإنسان ومسار الحضارة.
الهامش:
(*) للاستزادة ارجع الى كتابنا: دين الفطرة: استنطاق الرياضيات والفيزياء بلغة انسانية من تصدير: الدكتور محمد المختار ولد اباه رئيس جامعة شنقيط العصرية، والمفكر الإسلامي سمير الحفناوي عضو اتحاد الكتاب والمثقفين العرب بمصر و تقديم: الأستاذ الدكتور أحمدو ولد محمد محمود مدير مشروع دكتوراه الفيزياء بكلية العلوم والتقنيات جامعة انواكشوط العصرية، و سماحة الشيخ الدكتور أمين العثماني عضو اللجنة التنفيذية بمجمع الفقه الإسلامي بنيودلهي الهند الطبعة الأولى مجمع الفقه الاسلامي بالهند 2010م الطبعة الثانية دار المعراج بيروت لبنان 2014م.
آفاق فكرية بحث، معرفة، تبادل ثقافي