القرآن وسؤال المعنى: من أزمة الإلحاد المعاصر إلى برهان الوحي؛ (الحلقة: الثامنة)/المرابط ولد محمد لخديم

الحياة والروح… حين يقف العلم ويتكلم الوحي
   في خضمّ التقدّم العلمي الهائل، يظنّ الإنسان أنه اقترب من فكّ كل ألغاز الوجود، غير أنّه كلما توغّل في أعماق الخلق، اصطدم بأسئلةٍ أكبر من أدواته، وأعقد من مناهجه. ومن أبرز هذه الأسئلة: ما حقيقة الحياة؟ وما سرّ الروح؟ وهل هما شيء واحد أم حقيقتان متمايزتان؟
    وهل تكفي المعطيات العلمية لتفسير الإنسان تفسيرًا كاملًا، أم أنّ الوحي يقدّم بُعدًا أعمق للمعنى؟
عند الرجوع إلى معطيات علم الأجنة، نلاحظ أنّ الجنين يبدأ مسيرته ككائن حيّ منذ مراحله الأولى؛ خلايا تنقسم، وأجهزة تتشكّل، وقلب ينبض، وتفاعلات حيوية لا تتوقف. إنّها حياة بكل المقاييس البيولوجية، تخضع لقوانين دقيقة يمكن رصدها وتحليلها. ومن هنا قد يذهب بعضهم إلى أنّ الإنسان ليس سوى منظومة مادية معقّدة، وأنّ ما يُسمّى “الروح” ليس إلا نتاجًا لوظائف الدماغ.
          غير أنّ هذا الطرح، رغم وجاهته الظاهرية، يواجه إشكالًا عميقًا: فهو يفسّر كيف تعمل الحياة، لكنه لا يفسّر لماذا وُجدت أصلًا، ولا ما الذي يمنحها معناها الإنساني المتجاوز للمادة.
      هنا يتدخّل القرآن الكريم ليعيد صياغة السؤال من جديد، لا لينفي العلم، بل ليكشف حدوده. يقول تعالى:
{ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ} [السجدة : 9]
ويقول أيضا سبحانه وتعالى: ﴿ ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ ۚ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾[المؤمنون: 14].

    إنّ دلالة هذه الآيات تتجاوز الوصف المادي، لتؤسس لتمييز جوهري بين الحياة البيولوجية والوجود الإنساني الكامل. فالحياة، كما يراها العلم، تبدأ مبكرًا في الجنين، لكن القرآن يشير إلى تحوّل نوعي لاحق، هو “الخلق الآخر”، المرتبط بنفخ الروح.
     وقد بيّن النبي صلى الله عليه وسلم هذا المعنى في الحديث الذي رواه عبد الله بن مسعود، حيث بيّن أن نفخ الروح يكون بعد مراحل النطفة والعلقة والمضغة، أي بعد نحو مائة وعشرين يومًا من بداية الحمل.
 وهذا لا يُفهم على أنّه نفي للحياة قبل هذه المرحلة، بل تأكيد على أنّ هناك مستوى آخر من الوجود يتجاوز التفسير المادي.
     وفي المقابل، حاول بعض علماء العصر الحديث تفسير الظاهرة الروحية من داخل الإطار المادي؛ فذهب فرانسيس كريك إلى أنّ الإحساس بالروح قد يكون مرتبطًا بنشاط الدماغ، بينما رأى إدوارد أوسبورن ويلسون أنّ النزعة الدينية قد تعود إلى عوامل وراثية. كما أشارت دراسات علمية حديثة إلى دور الفصّ الصدغي في التجارب الروحية.
       غير أنّ هذه المحاولات، رغم أهميتها، لا تتجاوز تفسير تجربة الإنسان مع الروح، دون أن تمسّ حقيقتها. فهي تدرس الأثر، لا المصدر؛ وتصف الظاهرة، دون أن تكشف جوهرها. وهنا يتجلّى القصور المنهجي للعلم حين يتعامل مع ما هو خارج نطاقه.
إنّ الخلل لا يكمن في العلم ذاته، بل في توسيع مجاله ليشمل ما ليس من اختصاصه. فالعلم أداة عظيمة لفهم العالم المادي، لكنه ليس مؤهّلًا للحكم في قضايا الغيب. ولذلك جاء البيان القرآني حاسمًا في هذا الباب:
﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾[الاسراء:85].
هذه الآية لا تغلق باب المعرفة، بل تنظّمه؛ فهي تقرّر أن هناك حدودًا للمعرفة البشرية، وأنّ تجاوزها لا يكون بالتجربة، بل بالوحي.
وعليه، فإنّ التكامل بين العلم والقرآن لا يقوم على الصراع، بل على توزيع الاختصاص:
العلم يفسّر “الآليات” ويكشف قوانين الحياة.
والقرآن يكشف “المعنى” ويحدّد الغاية والبعد الغيبي.
ومن هنا نفهم أنّ الحديث عن الروح ليس رفضًا للعلم، بل تصحيحًا لأفقه؛ فحين يعجز العلم عن الإجابة، لا يعني ذلك غياب الحقيقة، بل محدودية الأداة.
وهنا، لا يتعارض العلم مع القرآن، بل يلتقيان عند حدٍّ فاصل:
حيث ينتهي التفسير… يبدأ المعنى.
    تأسيسا على هذا الكلام، يمكن القول إنّ الإنسان ليس مجرد جسد حيّ، بل كائن يحمل سرًّا يتجاوز المادة. وإذا كان العلم يصف لنا بداية الحياة، فإنّ القرآن يكشف لنا معناها.
وبين الوصف والمعنى، يتشكّل الفهم المتكامل للإنسان.
وهذا هو جوهر هذه السلسلة: القرآن لا ينافس العلم في ميدانه، بل يفتح له أفق المعنى الذي بدونه يفقد تفسيره ……يتواصل….
ملاحظة: اجعل لنفسك مشروع دعوة: فالدعوة اليوم مسؤولية الجميع، ولكل شخص دوره حسب موقعه وقدرته.

شاهد أيضاً

القرآن وسؤال المعنى: من أزمة الإلحاد المعاصر إلى برهان الوحي (الحلقة السادسة)/ المرابط ولد محمد لخديم

إشعاع الربوبية وحدود العقل الإنساني       إنّ هذا الخطاب القرآني يشعّ بكمال الربوبية؛ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *