(حول ظاهرة تراثية موريتاتية مندثرة): “ولد كيجه النصراني (رني كايي) و “اللّوّادِيّات” بقلم/ الدكتور محمد ولد أحظانا رئيس منتدى الفائزين بجائزة شنقيط؛

    عندما اطلعت على الكتاب -القيم للغاية- المؤلف بالقلم السيال قلم أخي الأستاذ الكاتب محمد فال ولد سيدي ميله: “على خطوات ولد كيجه النصراني”؛ هالني الجهد الذي بذله فيه: ترجمة أمينة وتحريرا بديعا، وبحثا استقصائيا، وصياغة متميزة، وتأليفا محكما، ونقدا متبصرا، وتصويبا حصيفا..
. حقيقة كانت سيرة ذاتية روائية راقية لهذا الرحالة الاستعماري الذي خلط في مذكراته عملا صالحا له أهميته التاريخية التوثيقية المحورية، وآخر سيئا كثير الهنات والعيوب مما لايقع تحت الحصر.
   لقد كان كتاب أخي محمد فال أفضل ما ألفه الموريتانيون -حتى الآن- عن الآخرين، وأذكاه مسلكا، وأحسنه فهما وتوازنا، وإنصافا، وأقل إغراضا وتحيزا أو انجذابا.
كما تضمن الكتاب أهم المعلومات الأنتروبولوجية الاجتماعية الوصفية الفريدة من نوعها، النادرة في زمنها، الموثقة بقلم أجنبي عن موريتانيا خلال أواخر وأوائل القرنين الثامن عشر والتاسع عشر.
    مما يستوحى من هذه الرواية السّيّرية المتميزة و الثرية، إحالاتها المباشرة وغير المباشرة على الخصائص الجوهرية للمجتمع الموريتاني والفروق العديدة بينه وبين محيطه الأفريقي والعربي حينها من غفول القرن الثامن عشر إلى بزوغ القرن التاسع عشر، من خلال وجود ظواهر تميز هذا الكجتمع تماما عن المجتمعات المحيطة به، رغم الارتباط الوثيق عهاها. مما صرح به ريني كايي مثلا، مما لم يقصد به ثناء على مجتمع البظان كما يدعوهم، وهو المجتمع المؤثر بقوة في غرب أفريقيا حينها:
   قيم التسامح، والذكاء، ورسوخ النفوذ المعرفي، والسياسي والاقتصادي، وإكرام الضيف، وعدم التغفيل، والاطلاع الواسع على مايجري، والتكامل بين المكونات الاجتماعية رغم التظالم أحيانا، و جودة التكيف مع المحيط الطبيعي القاسي، والأريحية الأخلاقية، و رسوخ التأثير الديني غير المحدود في المجال المحيط، ونشر اللغة العربية والإسلام على نطاق واسع، والصبر والجلَد على الظروف، والخبرة التجارية، والمهارة في تسيير القوافل، والتحكم الأمني في الفضاء الصحراوي كله، والهيبة الكبيرة في أرجائه،
و كرم رجال هذا المجتمع وعفة وشرف نسائه، وحكاية الجار مهما كان…
    و رغم أن ولد كيجه هذا صب جام شتائمه على ما أسماه “البظان” كاللوادي تماما؛ لأسباب تدور على التنافر الثقافي لمرجعيته الدينية المسيحية الأصولية الضيقة، وتنافرها مع المرجعية الإسلامية الشائعة في البلاد، وترسانة الأحكام المسبقة على الغرباء لديه، وغضبه من عدم نجاحه في الاحتيال على أهل الأرض.. وسوء طويته وغدره، وكذبه تجاههم، ونفاقه البواح، وخساسة نفسه البادية التي لم يتستر عليها بل يفخر، وإنكاره للجميل، وغروره وانتهازيته الشائنة، واعتداده بالقيم الاستعمارية التي تخصه حضاريا.. مما حال بينه وبين التعاطف مع هذه الخصال الحميدة إنسانيا، أو الاعتراف بالجميل لمن أحسنوا إليه فأساء إليهم؛ فإنه مع ذلك، ترك لنا كثيرا مما تمكن قراءته قراءة إيجابية.
سأضرب أمثلة على بعض ماذكره وأساء تأويله.. ومالم يذكره مما يفهم من حديثه. وأخيرا سأعرج على تفصيل غريب حول مجموعة تحدث عنها واختفت كلية من مجتمعنا، و هي مجموعة “اللّوّاديّات”. هذه المجموعة الغريبة التي حرف الاستعماري الجوال كتابتها مما جعل فك شفرتها صعبا على الكاتب وصرح بذلك، وعلى غيره، لأنها تشكيلة اجتماعية موريتانية اختفت تماما دون أن تترك أثرا، إلا في بعض الأمثلة التنقيصية “اكلام اللواديات” (وهو الكلام السيئ).
– فما الأمثلة على ما ذكرته هنا من اكتشاف خصال موريتانية حميدة ذكرها الرحالة أو يمكن استنباطها من سيرته أولا؟ لأعرج على ظاهرة اللواديات المثيرة ثانيا؟

أولا: في خصال المجتمع
ذكر ولد كيجه عرضا أو قصدا عددا من الخصال السائدة في المحتمع الموريتاني خلال نهاية القرن الثامن عشر ومطلع القرن التاسع عشر. ومن ذلك:
1- التسامح: يستشف التسامح من اكتشاف البظان أن إسلام ولد كيجه تظاهر وليس حقيقة، لكنهم تركوه يعيش بينهم إما طمعا في استمالته بالإحسان عليه والتسامح معه حتى يسلم حقيقة وإما تسامحا مع الغرباء. وهو أمر استغلق فهمه على الرحالة وفسره تفسيرا تعسفيا على أنه نجح في خداعهم.
2- الذكاء الأفقي والفطنة: لقد اكتشف بعض الرعاة الأميين مثلا، حقيقة أن ولد كيجه، لديه سلوك مريب دينيا رغم تظاهره بالصلاة في المسجد.
3- الرسوخ المعرفي في الشريعة الإسلامية: استطاعت مجموعة من الشباب أن تختبر ولد كيجه ليستنتجوا بالأدلة أن مستواه صفري، وأن ادعاءه الإسلام نفاق بواح.
4- النفوذ السياسي والاقتصادي:
يعكس تحكم أمير البراكنه على ضفتي نهر السينغال، تحكمه في تجارة الصمغ والبضائع بصورة منظمك، ونفوذه السياسي الواسع في مجتمعه وجواره البشري الإفريقي، نموذجا لغيره شهادة على التمكن الراسخ في هذا المنحى المحوري..
5- إكرام الضيف:
قضى ولد كيجه ما قضاه من زمن في حي محمد المختار الزاوي، وهو ضيف مكرم، يأكل مما يأكل مضيفوه ويشرب مما يشربون، دون من ولا أذى ولا شكوى من نهمه الشديد. 6- عدم التغفيل:
كان البظان يذكرون أويلمحون إلى كذب ولد كيجه بخصوص ادعائه أملاكا ليست لديه، ويسخرون منه في ذلك.
7- الاطلاع الواسع على المجال:
كان ولد كيجه يسمع في مجالس الحي آخر الأخبار عن النصارى والأفارقة والجوار، لحضور البظان في مجال غرب أفريقيا كله، حتى أنه لقي بعض نافذيهم في أدغال غينيا و مالي وجوارهما.
8- التكامل الواعي والراسخ بين المكونات الاجتماعية: لما ادعا الرحالة الاستعماري أنه يريد أن يتعلم الإسلام أرسله الأمير البركني من فئة العرب الحاكمة إلى أحد علماء البراكنه من زوايا اچيچبه، المتمكنين من اختصاصهم العلمي والدعوة إلى الإسلام.
كما كانت في ذلك فطنة من الأمير لإبعاد الفرنسي عن تدابيره السياسية حتى لا يكون عينا في محلته، فيتجسس عليه لصالح الفرنسيين.
9- جودة التكيف مع المحيط الطبيعي الصعب: ويدل على ذلك حسن استخدام الموارد المائية والغذائية المحدودة عموما، وخصوصا بالنسبة للقافلة التي عاد معها الجاسوس ولد كيجه من تينبوكتو إلى المغرب.. مرورا بأزواد ولحماده.
10- الأريحية الدائبة: وأمثلتها عديدة، لكن من أمثلتها الواضحة عطف رجلي تجكانت على هذا الرحالة غير النبيل والفقير، أثناء الرحلة الأخيرة الشاقة نحو المغرب، وإحسان أمراء الطريق على القافلة دون استثناء.
11- رسوخ عادة نشر اللغة العربية والإسلام:
حيثما وجد ولد كيجه البظان وجد اللغة العربية والإسلام بينهم أو بين من تتلمذ عليهم من إفلان الذين حملوا بكفاءة هاتين الرايتين بكفاءة عالية، فقد لمس الرحالة مرجعية البظان في غرب أفريقيا، خاصة في محال تأثير دولة المامي.
12- الصبر والجلَد والقوة الإرادة:
يكاد يكون صبر البظان على الجوع والعطش وتحمل لفح الصحراء أسطوريا. حسب وصف ولد كيجه
13- الخبرة التجارية، والحنكه التفاوضية، والمهارة في تسيير القوافل: عكست المساومات والاتفاقيات بين التجار الفرنسيين المتهافتين على مادة الصمغ في وبين تجار المرافئ البركنيه حنكة تجارية كبيرة، ووعيا بروح اللعبة التجارية مع أولئك الانتهازيين الأوروبيين المتفنين في صنوف البيع والشراء..
14- التحكم الأمني في الفضاء الصحراوي كله، والهيبة الكبيرة في أرجائه وحوله:
حيثما حل الرحالة، في موريتانيا ومالي وغينيا، وجنوب المغرب وجد البظان هم سادة الأرض أمنيا، وهيبة، وثقة.
15- كرم الرجال وعفة النساء..
رغم بخل وفقر ريني كايي وعدم وفاء حكام اندر بما تعهدوا له به من مكافآت، لم ينقض وقت إلا وقدم له مضيفوه ومن يلقونه هدايا وقرى ينفعه على مدى إقامته الطويلة معهم.
أما عفة النساء فكانت أدعى أمر للفخر، حيث لم يذكر هذا الرحالة أنه استطاع النيل من شرف امرأة تنتمي لهذا المجتمع، سواء كانت بيضاء، أو حمراء، أو سمراء. ولو نال من ذلك أبسط شيء خفية لذكره، إذ ذكر سخرية بعضهن منه.. فهو يبحث عن كل الهنات والعيوب ويهولها حتى يرسم صورة مذهلة لشخصيته في عيون من بعثوه.
مثلا: ذكر عدم كثرة استعمال الناس للماء للنظافة، تنقيصا، مع نسيانه أنه لم يستحم طوال إقامته في البراكنه لأكثر من سنة إلا مرتين إحداهما في موسم الأمطار والثانية في آخر رحلة له من تينبوگتو.
هذه الاستخلاصات تؤكد صفات جوهرية راسخة في المجتمع الموريتاني خلال قرنين محوريين في تشكيل الوعي الاجتماعي لما سماه ولد كيجه: البظان، من سكان الغرب الصحراوي ولأن وجهته في الكتابة عنهم مغرضة تنقيصية فقد أبرزت هنا بعض ما يمكن أن يستشف من قيم نبيلة في مجتمعنا ذكرها دون ثناء عليها أو تثمين، رغم أنها كذلك بالمقاييس الحضارية.

ثانيا: حول مجموعة اللواديات؟
بحث الكاتب المُجيد محمد فال ولد سيدي ميله -كما ذكر في الكتاب وأخبرني لاحقا- عن مصطلح اللواديات. وبعد شهادتي المنشورة حول كتابه راجعني في الموضوع، وأشرت عليه بإضافة معلومات حول هذه المجموعة في الطبعة التالية من كتابه المتميز.
فمن اللواديات؟

تعريف اللواديات
– لفظا:
هو لفظ حساني دال على جمع لوادية، “محسّن” من اللواذ بالعربية، وهو اللجوء إلى الحمى بالدوران حول الحامي، وورد لفظ اللواذ في القرآن الكريم. وهو من الكلمات القليلة المستعملة في الحسانية التي تبدل فيها الذال دالا. و مصدره فيها: “التلواد”: أي البحث عن مطلوب ما.
– واصطلاحا هو اختصاص اجتماعي تمتهنه بعض النساء السليقات اللائي تربين على الحياة الطفيلية، والاعتماد على الآخرين في جميع متعلقاتهن.
إن منحهن أحد مكرمة بالغوا في مدحه، وإن بخل عليهم ذموه ذما مقذعا على رؤوس الأشهاد.
وعادة يكن غير متزوجات، ولهن عادات في المناظرات التنافسية وفيما بينهن، ووفيما بينهن وبين غيرهن من بلغاء المجتمع والمتحدين
إن تحدّت إحداهن الأخرى في مناظرة، أعلنّها في يوم معين، يستحب أن يكون إما في آخر فصل الخريف الحارق (ألاوه) أويوما حارا جدا من أيام مايو.
تعتبر المناظرة حدثا إعلاميا بارزا لدى المحتمع الموريتاني تاريخيا،حيث تتنادى الأحياء المتقاربة رجالا ونساء للتفرج على تلك المناظرة المشهودة. وقد تحضرها علية القوم من بعض الفئات.

طقوس المناظرة
تأمر اللواديتان المراهقين والشباب وسفهاء الحي بقطع شجرتين متقاربتين وسط الخيام.
شد وتتبيث نساء الأحياء والمراهقين لفراء كل واحدة من السيدتين على الجذع المقابل للأخرى، تحت سياط الشمس الحارقة.
تأخذ كل واحدة منهما قبضة يد من الملح في يدها وترمي منها حبة بين الفينة والأخرى، لتحس بوخزها وترطب حوالب ريقها حتى لا يجف لسانها عند تطاول المناظرة المصيرية.
وعادة ينقسم الجمهور إلى مشجع لإحدى اللواديتين، ويصيح أحد الفريقين إن أبدعت لواديته في القذع.
ومن الأدبيات أن لا تقاطع. واحدة منهما الأخرى.
وعادة يوضع جُعْل معروف تتبرع به نساء الحي والأحياء المجاورة باعتباره جائزة للفائزة في المناظرة الكلامية الحامية. ولا تنتهي المناظرة إلا بغالبة ومغلوبة مهما طالت.
كما تسمى الدرجات السبع لفحوى المناظرات بين لواديتين، من أدنى إلى أعلى ب:
– اتراييب: (للتمهيد، وهو النيل بالسخرية المبطنة في تأكيد الذم بما يشبه المدح).
– اتعاييب (إبراز العيوب في عناويتها دون تفصيل).
– اتناييب (وهو النيل بطرف الناب دون غرزها الشديد في العرض، لكن بحيث تترك جروحا يمكن تطريرها لاحقا).
– تجراح الرگ (من التأثير بآلة حادة في أرض قاسية، وهو المبالغة في التجريح بغير المعلوم من المثالب)
– اتخاريط (من الخرط وهو من قلب مواضع من العرض حتى يظهر اللحم المعيب على حقيقته دون تعميم عليه كله
– واتگاشير (وهو التعرية الكاملة للمثالب وسلخ الجلد عن كل عيوب العرض، و يسمى أيضا: “طرح الفرائض”، وهو الأكثر إيلاما وأشد قوة. ويكون هو الأخير، وبه تختتم المعركة الكلامية الحامية الجارحة).

من أهمية اللواديات اجتماعيا أنه قد يحضر الأمير نفسه أو حاشيته بعض مناظرات اللواديات

ومما يظهر في هذا السياق أن ريني كايي قد واجه مفرزة ضارية من اللواديات، وقال إنها ضربته وأزعجته. وحق لها أن تضربه وتزعجه لبخله المعروف وعدم فهمه للمطلوب منه، وعجزه ماديا عن أدائه. ولا شك أن ثمة من افتداه من سطوتهن لأنهن تركنه كما قال، وربما تعلم عليهن أغلب ما ذكر من معائب عن مضيفيه ومل من آواه.
اللواديات من التشكيلات الاجتماعية الغريبة التي اختفت تماما من المجتمع الموريتاني البظاني.
لكن من غير المطمئن أن الظاهرة الاجتماعية إذا اسشترت في فترة تاريخية معينة واختفت فقد تعاود الظهور في اللاشعور الجمعي فيرتكس إليها المجتمع ويمارسها بعد أن نسيها. كما صرح بذلك عالم النفس فرويد في كتابه: موسى والتوحيد.
لذا لا يعرف أحد متى تعود هذه الظاهرة، ولا في أي مظهر ترجع؟

شاهد أيضاً

القرآن وسؤال المعنى: من أزمة الإلحاد المعاصر إلى برهان الوحي؛ (الحلقة:21)/المرابط ولد محمد لخديم

من هداية العقل إلى سكينة الفطرة     تأسيسًا على ما تقدّم، يتجلّى أن العقل …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *