
عجز اللغة البشرية وتجلي الإعجاز البلاغي في القرآن الكريم
انطلاقًا من عجز العلم المادي والفلسفات المختلفة عبر التاريخ عن إدراك حقيقة الروح والموت، يظلّ القرآن الكريم مصدرًا فريدًا يقدّم إجابات عميقة لتساؤلات حيّرت الإنسان قديمًا وحديثًا. غير أن تميّزه لا يقتصر على القضايا الغيبية فحسب، بل يمتد إلى ميدان آخر بالغ الأهمية، وهو ميدان التعبير اللغوي، حيث يتجلّى بوضوح وجه من أوجه القصور البشري، ويبرز في المقابل جانب من جوانب الإعجاز البلاغي.
فعند التأمل في القدرة التعبيرية لدى الإنسان، يتبيّن أنها محدودة، تعاني من ثغرات تحول دون نقل ما يختلج في النفس بدقة تامة. ذلك أن البلاغة في جوهرها تقوم على تحقيق التطابق بين اللفظ والمعنى، غير أن هذا التطابق الكامل يظل هدفًا عسير المنال. ويرجع هذا القصور إلى سببين رئيسيين:
أولهما: أن المعاني أوسع من الألفاظ. فالمعاني تنبع من النفس الإنسانية، وهي متجددة ومتدفقة، في حين أن الألفاظ محدودة. ولذلك نجد أن الكلمة الواحدة قد تحمل دلالات متعددة؛ فكلمة “الألم” مثلًا تشمل طيفًا واسعًا من الإحساسات الجسدية والنفسية، وكلمة “الجمال” تُطلق على صور ومعانٍ مختلفة، رغم تباينها. وهذا يدل على أن اللغة، مهما اتسعت، لا تستطيع أن تستوعب إلا جزءًا من عالم المشاعر.
أما السبب الثاني: فيتعلق بطبيعة اللغة نفسها، إذ تضم ألفاظًا تبدو مترادفة، لكنها تختلف في دلالاتها الدقيقة. فكلمات مثل: “ذهب”، “مضى”، “انطلق”، أو “نام”، “رقد”، “هجع”، وإن اشتركت في أصل المعنى، إلا أن لكل منها إيحاءً خاصًا. ومن هنا يواجه المتكلم صعوبة في اختيار اللفظ الأدق، خاصة في لحظة التعبير، حيث لا تستحضر جميع المفردات دفعة واحدة، مما قد يؤدي إلى الإطالة أو القصور أو عدم الدقة.
وبناءً على ذلك، يظل العجز ملازمًا للإنسان في محاولته التعبير عن معانيه ومشاعره، وإن تفاوتت درجات هذا العجز بين الأفراد.
ولتعويض هذا القصور، لجأ الإنسان منذ القدم إلى وسائل توسّع طاقة اللغة، من أبرزها الغناء والمجاز. فالغناء يضيف بعدًا شعوريًا يعجز اللفظ المجرد عن نقله، بينما يفتح المجاز—كالاستعارة والتشبيه—آفاقًا أرحب للتعبير، كما في قولنا: “سال الوادي”، حيث يُنسب الفعل إلى غير فاعله الحقيقي لإضفاء صورة أكثر حيوية وعمقًا. ومع ذلك، تبقى هذه الوسائل عاجزة عن الإحاطة الكاملة بالتجربة الإنسانية.
وأمام هذا العجز، يبرز التساؤل: هل يمكن تجاوز حدود اللغة البشرية؟
هنا يتجلّى الإعجاز البلاغي في القرآن الكريم، خاصة في الكلمة القرآنية.
فالكلمة في القرآن تتميّز بخصائص فريدة؛ فهي تستوعب المعنى في مستوياته المختلفة، وتنفذ إلى دقائقه، وتبلغ درجة من التطابق مع المراد تجعل استبدالها بغيرها مخلًّا بالدلالة أو الصورة أو الأثر.
وتبرز المفارقة في أن القرآن يستخدم نفس اللغة التي يعجز بها الإنسان، لكنه يبلغ بها ذروة الكمال. والسر في ذلك أنه لا يتجاوز اللغة، بل يوظفها توظيفًا معجزًا، يستخرج منها أقصى طاقاتها الدلالية والبيانية. فمصدره الإلهي يجعله منزّهًا عن القيود البشرية، كقصور المعرفة وضعف الاستحضار، فتأتي ألفاظه في مواضعها بدقة متناهية، محققة توازنًا فريدًا بين المعنى والصوت والإيقاع والسياق.
وهكذا يكشف القرآن عن الحد الأعلى الممكن للغة، وهو حدّ لا يستطيع الإنسان بلوغه مهما أوتي من فصاحة وبلاغة. ومن ثمّ، فإن عجز الإنسان عن التعبير الكامل لا يُعدّ مجرد نقص لغوي، بل يصبح دليلًا على عظمة البيان القرآني، الذي تجاوز هذا العجز وحقّق الكمال البياني في أسمى صوره.
إن عجز الإنسان عن الإحاطة الكاملة بمشاعره وأفكاره عبر اللغة، رغم تنوّع أدواته التعبيرية، يقابله في القرآن الكريم بيان معجز يحقّق انسجامًا تامًا بين اللفظ والمعنى، مما يجعله شاهدًا دائمًا على تميّزه وسموّ مصدره….يتواصل…
ملاحظة: اجعل لنفسك مشروع دعوة: فالدعوة اليوم مسؤولية الجميع، ولكل شخص دوره حسب موقعه وقدرته.
آفاق فكرية بحث، معرفة، تبادل ثقافي