
العربية لغة القرآن ووحدة الأمة الإسلامية
ينطلق الحديث عن مكانة اللغة العربية في الإسلام من أصل قرآني ثابت، يتمثل في كون القرآن الكريم قد نزل بلسان عربي مبين، كما قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [يوسف: 2]، وقال سبحانه وتعالى:
﴿وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ حُكْماً عَرَبِيًّا﴾.[الرعد: 37] ومن هنا قرر أبو إسحاق الشاطبي أن الشريعة الإسلامية عربية اللسان، وأن فهمها لا يتحقق على وجهه الصحيح إلا من خلال فهم دلالات اللغة العربية وأساليبها.
غير أن هذا التأصيل القرآني لا يُفهم في إطار الانتماء القومي الضيق، بل في إطار الهداية والتبليغ. فالقرآن حين أكد عربيته، لم يقصد بذلك حصر الإسلام في قومية معينة، وإنما قصد بيان اللسان الذي نزل به الوحي ليكون واضحًا لمن خوطبوا به أولًا، ثم ينتقل هديه إلى العالمين كافة. قال تعالى: ﴿إِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾[الأنبياء؛ 92]، وهو أصل يوضح أن اللغة أداة بيان وليست معيار انتماء عرقي أو قومي.(44)
ومن هذا المنطلق، فإن الربط بين العربية والقومية بالمعنى الحديث يعد خلطًا بين مستويين مختلفين: مستوى اللسان الذي هو وسيلة لفهم الوحي، ومستوى الانتماء القومي الذي هو نتاج تاريخي وثقافي. وقد استُغلت هذه الفكرة أحيانًا لإحداث تعارض موهوم بين عالمية الإسلام وخصوصية العربية، أو بين المسلمين الناطقين بها وغير الناطقين.
وفي مواجهة هذا الطرح، يبرز تحليل أحمد بن نعمان(45) الذي يؤكد أن العربية تتميز عن غيرها من اللغات بارتباطها العضوي بالإسلام. فهي، وإن كانت لغة قومية للعرب من حيث الأصل، إلا أنها صارت – بنص القرآن ووظيفته – لغة دينية جامعة لكل المسلمين. ويشهد لهذا المعنى قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾[92]، حيث تتأسس وحدة الأمة على العقيدة، ويكون اللسان أداة توحيد ثقافي يعين على فهم هذه العقيدة.
كما يؤصل القرآن لمفهوم الانتماء الإنساني بعيدًا عن العصبية العرقية، في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾[الحجرات: 13]، مما يدل على أن التنوع اللغوي والقومي آية من آيات الله، لا أساسًا للتفاضل. ومن ثم، فإن اندماج الشعوب في الثقافة الإسلامية، وتبنيها للغة العربية، لم يكن نتيجة انتماء عرقي، بل نتيجة اختيار حضاري وديني.
ويؤكد التاريخ هذا المعنى، إذ إن انتشار العربية في العالم الإسلامي كان نتيجة مباشرة لانتشار الإسلام، حتى أصبح معظم الناطقين بها من غير العرب أصلًا. وبذلك تحولت العربية إلى وعاء حضاري مشترك، حمل معاني القرآن، وأسهم في بناء ما يُعرف بالحضارة الإسلامية.
وفي ضوء هذا التأصيل، يظهر أن الدعوات التي تسعى إلى الفصل بين الإسلام والعربية، أو إلى معاداة العربية باسم عالمية الإسلام، إنما تقوم على فهم قاصر لطبيعة العلاقة بين اللغة والوحي. كما أن الاتجاهات التي توظف القومية لمحاربة الإسلام، أو توظف الدين لمحاربة العربية، تلتقي – من حيث لا تشعر – في تفكيك وحدة الأمة.(46)
وعليه، فإن الحفاظ على وحدة الأمة الإسلامية يمر عبر فهم متوازن يجمع بين عالمية الرسالة وخصوصية اللسان القرآني؛ فالعربية ليست مجرد هوية قومية، بل هي لغة الوحي التي بها يُفهم الدين، دون أن تكون شرطًا للانتماء إلى الإسلام. ومن هنا، فإن الارتقاء بالعربية، وتعليمها، وربطها بالقرآن، يعد جزءًا من حفظ الدين نفسه، كما أن تجاوز التعصب القومي يحقق مقاصد القرآن في وحدة الأمة وتكاملها…..يتواصل
ملاحظة: اجعل لنفسك مشروع دعوة: فالدعوة اليوم مسؤولية الجميع، ولكل شخص دوره حسب موقعه وقدرته.
آفاق فكرية بحث، معرفة، تبادل ثقافي