يواصل المفكر والكاتب الدكتور محمد ولد أحظانا حضوره الفكري المتجدد عبر إسهامات مميزة، من أبرزها مشروع “الكتاب القصير”، الذي سعى من خلاله إلى معالجة قضايا معاصرة مثل الفساد والذكاء الاصطناعي بأسلوب مكثف وعميق. ويأتي هذا العمل الجديد، الموسوم بـ: “حول خصوبة مبدأ المخالفة وآلية التنزيه في الإسلام”، ليعزز هذا المسار، جامعًا بين الإيجاز في الشكل والثراء في المضمون، خاصة في زمن يشهد تراجعًا ملحوظًا في الإقبال على القراءة.
ينطلق الكتاب من سؤال فلسفي قديم متجدد: سؤال الوجود وأصله، ذلك السؤال الذي رافق الإنسان منذ بدايات وعيه، فدفعه إلى ملاحظة الظواهر والبحث عن أسبابها. ومع تعقد هذه الأسباب وتعددها، وقع الإنسان في تصورات تعددية ووثنية، قبل أن توجهه الرسالات السماوية نحو الإيمان بوحدة المصدر والسبب الأول للوجود.
غير أن مفهوم الوحدانية لم يتشكل بصورة واحدة عبر التاريخ، بل تباينت تمثلاته باختلاف اللغات والثقافات، مما أدى إلى ظهور صيغ متعددة للديانات التوحيدية، تمسكت كل جماعة بتأويلها الخاص، فنتج عن ذلك تارةً تعايش، وتارةً أخرى نوع من التقابل. ومع ذلك، ظل السؤال الجوهري قائمًا: ما حقيقة الوجود؟ ومن هو مبدؤه الأول؟
في هذا السياق، يبرز الإسلام بوصفه خاتم الرسالات، لا من حيث الزمن فحسب، بل من حيث قدرته على استيعاب ما سبقه، وتقديم تصور توحيدي شامل ومنفتح على التجدد. ويستند هذا التصور إلى لغة قرآنية ذات مرونة دلالية عالية، تعتمد على المجاز والاشتقاق، مما يجعلها قادرة على احتواء المعاني المتجددة عبر مختلف العصور.
وتتجلى خصوصية هذا الطرح في تأسيسه على مبدأين محوريين: مبدأ المخالفة وآلية التنزيه. فالمخالفة تقرر تنزيه الخالق عن كل ما يمكن أن تدركه الحواس أو يتصوره العقل البشري، انطلاقًا من قاعدة: “ليس كمثله شيء”، بما يعني أن أدوات المعرفة الإنسانية، مهما تطورت، تظل قاصرة عن الإحاطة بحقيقة الذات الإلهية.
أما التنزيه، فيمثل منهجًا معرفيًا وتأويليًا يقوم على نفي أي مشابهة بين صفات الخالق وصفات المخلوق. فصفات مثل العلم أو البصر، حين تُنسب إلى الله، لا تُفهم وفق حدودها البشرية، بل تُدرك على نحو يليق بالكمال الإلهي المطلق، دون تشبيه أو تجسيم.
وانطلاقًا من هذين المبدأين، يتحول الفهم الديني من محاولة إدراك الذات الإلهية إلى الإيمان بها من خلال آثارها في الكون. فالقرآن يقدم نماذج لأنبياء لم يسعوا إلى الإحاطة بالحقيقة الإلهية، بل إلى تحقيق الطمأنينة عبر التأمل في الفعل الإلهي، مما يجعل الإيمان تجربة مركبة تجمع بين العقل والوجدان، وتتجاوز حدود المعرفة الحسية المباشرة.
ويؤكد الكاتب أن اليقين لا يعني بالضرورة امتلاك الحقيقة المطلقة، بل هو حالة ذهنية يمكن أن تتحقق دون إدراك كامل للواقع، وهو ما يستدعي اعتماد مبدأ المخالفة لضبط العلاقة بين الإنسان والمطلق.
كما ينتقد بعض الاتجاهات الحديثة في دراسة الأديان، التي تختزل الظاهرة الدينية في بعدها التاريخي أو الثقافي، متغافلة عن بعدها الفطري الأصيل. فالنزوع إلى الإيمان، في نظره، ليس مجرد نتاج للتطور الاجتماعي، بل هو معطى إنساني عميق يلازم الإنسان في مختلف حالاته.
ويخلص الكتاب إلى أن مبدأي المخالفة والتنزيه يشكلان إطارًا فكريًا راسخًا لإعادة بناء فهم الألوهية، بعيدًا عن إسقاط التصورات البشرية المحدودة عليها. كما يفتحان أفقًا جديدًا للتفكير الديني، يحقق توازنًا بين الإيمان والعقل، ويؤكد أن بلوغ اليقين لا يمر عبر الإحاطة الكاملة، بل عبر وعيٍ يدرك الأثر ويسلّم بعجزه عن إدراك الذات.
المرابط ولد محمد لخديم
نص الكتاب:
المجال: الفلسفة والدين واللغة
العنوان:
حول خصوبة مبدأ المخالفة وآلية التتنزيه في الإسلام
المؤلف: الدكتور محمد ولد أحظانا
المقدمة
أراد البشر أن يعرفوا الموجودات فأدركوا الأشياء، و أرادوا أن يفهموا الوجود فأدركوا الأسباب؛ وأرادوا أن يعللوا الأسباب المتعددة فتقفوها بآثارها إلى متعددات فكانت الوثنيات. وأربكهم التعدد فجاءت الأديان التوحيدية لتقودهم إلى واحدية السبب. وتعددت مفاهيم الواحدية في اللغات فكانت الديانات التوحيدية (الملل)، و تشبثت كل أمة بإدراكها.وفهمها فكان التعايش، والتقابل..
ولم يزل الوجود كما كان يوم أول إلى يوم آخِرَ، سائرا في مطلق لجة وجوده، سواء عرفنا أم لم نعرف؛ فهمنا أم لم نفهم؛ عللنا أم لم نعلل، عددنا السبب أم وحدناه، تعارفنا أو أنكر بعضنا بعضا.
وبقي السؤال الأول حول الموجود، والوجود، والسبب الأول؟ مطروحا بتجدد رغم كل الإجابات.
المدخل:
الإسلام وإخوته من الأديان
الإسلام أحد أديان توحيدية ثلاثة هي: الموسوية التوراتية، والعيسوية الإنجيلية؛ والمحمدية القرآنية. فبم يتميز عن إخوته؟
الفصل الأول
خاتمية الإسلام
للإسلام ميزة تخصه عن غيره من أديان سماوية، وهي أنه دين خاتم: تاريخيا؛ واستخلاصا؛ ورؤية؛ وشمولا لسابقه من أديان سماوية؛ وأمانة؛ وانفتاحا أبديا على التأويل.
– هو الخاتم تاريخيا لأنه هو الأخير زمنيا.
– والمستخلِص، لأنه لخص جميع الشرائع من قبله، فثبت منها ما ثبت ونسخ ما نسخ، وصحح ما صحح.
– ورؤية، لأنه وحد رؤية كل الموحدين من قبله وأدخلها في نسق واحد، وأضاف إليها من ناظم العقل والتجريد المفتوحين.
– وشمولا، لأنه حصر وشمل الشرائع كلها من قبله، وأضاف إليها أحكام واقعه الطارئة.
– و أمانة، لأن نصه المؤسس: القرآن الكريم، هو أهم وثيقة تاريخية لحجج المخالفين للتوحيد، والأكثر أمانة في عرضها.
– وتأويلا، لأن معجزته كلامية لا حسية، فهو ناطق بلغة تملك قابلية مفتوحة على المجاز والاشتقاق؛ هي العربية:
المجاز: الذي يتسع مع الزمن لا ستيعاب أي معنى جديد بالركيب النسقي المجدد للدلالة.
والاشتقاق: الذي يفتح بوابات المصطلح لكل محتوى مستجد عبر الزمن البشري حاضرا ومستقبلا.
فخاتمية الإسلام صادقة في هذه الأبعاد المحورية، مما يميزه عن سابقيه من الأديان السماوية، جزئيا أو كليا..
فهل من أمثلة تطبيقية شاخصة على ما نقول؟
الفصل الثاني
سياقات محفزة
تكاثر الحديث الفكري المعمق والسطحي في الفترة الأخيرة، خاصة عند طائفة من المتكلمين المحدثين في تاريخ الأديان السماوية، وعلاقتها بالأديان الشرقية القديمة، حول مواضيع متعددة من أبرزها إثبات الذات العلية، وعلاقة تحديدها بوعي البشر في ردهم على سؤال الوجود؟
وهي موجة طارئة الشكل، قديمة الجوهر، أرى أنها تحدُث عندما تنفتح معرفة الإنسان على حقول جديدة، فينساق وراء دهشته بما عَرَف افتتانا بعبقريته، فيبدأ في التساؤل عن مسلماته السابقة واختبارها؛ إما ليتخلص منها؛ وإما ليعيد ترسيخها وتوطينها في منظومته المعرفية، التداولية، المتحورة، بحكم تغير أسسها.
الفصل الثالث
تعريج
كنت أتابع باهتمام كبير بعض مؤرخي الثقافات وعلماء الأساطير والأنتروبولوجيين، الشرقيين من سريان ومسلمين، وغيرهم من المهتمين بأصول الحضارات والأديان القديمة.
وقد لفتت انتباهي محاورة افتراضية بين المفكر العراقي ماجد خزعل، والمفكر السوري فراس السواح، حول مفهوم الألوهية، وعلاقته بالتاريخ والدين، و تطور وعي الإنسان حيال سؤال الوجود؟
لذا أردت أن أبدي رأيي حول هذا السؤال النشط، من خلال وجهة نظري الخاصة في الموضوع.
والداعي إلى ذلك هو اهتماماتي الفكرية -المتواضعة- بالأنتروبولوجيا (الإناسة)، وفلسفة المعرفة، وتاريخ الأديان الشرقية القديمة وأساطيرها المؤسسة، والأديان السماوية.
إضافة لاهتمام أخص بعلم الكلام، الذي هو فلسفة المسلمين الأصيلة.
الفصل الرابع
إلى القارئ الكريم
لا أخفيكم أنني سأكتب هذا الرأي بين مطلب الإبلاغ، ومطلب الاختصاص. والالتزام بشرطيهما لا يخلوا من صعوبة. ذلك أن أحدهما يكون على حساب الآخر عادة، فليعذرني أصحاب الأختصاص إن رأوا مني ميلا زائدا إلى الإبلاغ، وليعذرني القراء المهتمون إن لاحظو في ما أقوله نزعة زائدة إلى الاختصاص، فالسباحة بين المَرَجيْن مخاطرة لكنني ممن لا أراها مستحيلة.
الفصل الخامس
محاورة افتراضية
اطلعت على محاورة افتراضية ذكية بين مفكرين عربيين -كما أسلفت- من خلال كتبهما، حول موضوع فكري بالغ الأهمية والعمق.
والمحاورة تدل على اطلاع صاحبها الجيد على مؤلفات المفكريْن، إذ كان أمينا مع رأييهما في سائر ما كتباه، ولذا جاءت محاورته مبتدعة. مما دفعني إلى تأليف هذا الكتاب القصير اليوم. فماذا أضيف؟
الفصل السادس
خصوبة مفهومي: ((المخالفة)) و((التنزيه)) في الإسلام
ردا على سؤال الإضافة، وقبله سؤال الأمثلة على الخاتمية، في تجدد التأويل خاصة، أرى:
أن ثمة مبدأ مطلق الصدقية لنسبيته و تناسبه مع موضوعه، الذي هو فهم حقيقة وجود الذات الإلهية العلية، والتي هي موضوع المحاورة الافتراضية للكاتبين.
أما المبدأ الذي أعنيه فهو مبدأ “المخالفة” في كل متعلقات الوجود؛
إضافة لحكم معرفي منهجي الطابع، مترتب عليه، متجدد الانطباق، هو مفهوم ((التنزيه)). وهما معا، مفهومان أرى أنهما يحلان أهم معضلة يواجهها مؤرخو الإلهيات المحدثين، لكن بإعادة فهمهما وتوظيفهما في سياقات الفتوح المعرفية الجديدة.
فبماذا أؤول هذين المفهومين لخدمة الإجابة على السؤال الكبير حول أعمق مسألة واجهها الذهن البشري من فجره إلى حاله الآن: من أين جاءت الأديان؟
الفصل السابع
مبدأ المخالفة؟
أولا: مبدأ ((المخالفة))
هو مبدأ وجود، يتصف بالأزلية والديمومة؛
وأعتبر أنه مبدأ خصب في الإسلام. وخصوبته متجددة. لقد جاء بها النص المؤسس (القرآن الكريم): [ليس كمثله شيء] (الآية 11 الشورى)، وجاء بها إبداع المسلمين من أهل الكلام من بعد ذلك على نفس الأصل.
وهو مبدأ خصب، لانه فسر، ولا يزال قابلا لتفسير كل الممكنات المعرفية الحالية والمستقبلية عند وقوفها أمام حيرة التعريف.
– كيف أعلل ذلك؟.
– إن كل ما نعرفه وسنعرفه من قدرة بشرية على الوصف والتعريف مبنية على مهاراتنا المعرفية: مناهج ونتائج (حسية خبرية -تجريبية- استقرائية- مجردة- حدسية، وبرهانية..).
و مبدأ المخالفة يجعل الألوهية موصوفة بما سوى معطياتنا المعرفية المتاحة لنا تاريخيا، وحاضرا، ومستقبلا، عنا وعن محيطنا.
صياغة مبدأ المخالفة أنها هي: ((مخالفة الله لخلقه في كل شيء.))
فكيف نعرّف المخالِف بما لا يصدق عليه أصلا من تصوراتنا القاصرة؟
الفصل الثامن
براعة اللغات الطبيعية
إن اللغات الطبيعية التي نطقت بها الأديان بارعة لأنها تقدم لنا وصفا تقريبيا يصرح بالعجز عن كنه إدراك حقيقة الله بمتداولنا الذهني والاصطلاحي؛ إلا بآلية الضدية، وإن القرآن الكريم يصرح بذلك: [ليس كمثله شيء.] كما رأينا.
والضدية الكلية هي تعريف مطلق، بنفي شبه أحد الضدين للآخر في أية صفة أو مكون.
أما المطلق فهو “الذي لا حد له”. من نفس المنظور.
فالمخالفة لكل ما نعرف وما سنعرف، و بأية وسيلة من وسائلنا المتاحة، تؤدي إلى امتناع التعريف بقواعد إدراكنا وأحكامنا ومعاييرنا.
لذا فنحن نبحث عن جَنْي الثمرة العالية بالعصا القصيرة. وربما يكون بحثنا عنها بغير وسيلتها أصلا، وفي غير مظنتها.
فهل من سبيل؟
الفصل الثامن
لهفة البحث عن اليقين من خلال محاورات الأنبياء
يمكن أن نبني تصورنا في هذا الشأن على أصل في لهفة الإنسان على البحث عن اليقين في الله عبر وسائل معرفته المتاحة له، طلبا لطمأنينة التصديق. كما في محاورة إبراهيم عليه السلام:
– [ – رب أرني كيف تحيي الموتى؟:
قال: -أولم تؤمن؟!
قال: – بلى. ولكن ليطممئن قلبي].(الآية 260/البقرة).
فحلت الطمأنينة بمشاهدة الدليل على أثرج الفعل لا بمعاية الذات.
ثمة مثال آخر على ذلك طلبا لليقين الإيماني: كما في طلب رؤية الله بالإحساس المباشر في محاورة موسى عليه السلام لربه: [ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه؛ قال:
– رب أرني أنظر إليك!
قال: – لن تراني، ولكن انظر إلى الجبل، فإن استقر مكانه فسوف تراني.
فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا، وخر موسى صعقا. فلما أفاق، قال:
– سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين.]. (الآية 140\الأعراف)
لقد تجاوز الأنبياء عليهم السلام عقبة التعريف بالاهتداء إلى الطمأنينة بالتيقن فالإيمان؛ لا بالمعرفة الحسية ولا الوصفية المعرفية، وإنما بالتسليم عبر واسطة إدراك الارتباط بين التأثير والمؤثر، لا بتحقيق المعرفة العيانية بالذات الإلهية. وهذا مقام الأنبياء والرسل.
وقد تردى الكثيرون على عتبات هذه البوابة العالية في الأديان البشرية القديمة و من الباحثين عن الحقيقة، ولا زال البعض يتردى عندها تردي الفراشات على بوابة النور في ظلام الكون الدامس. لكن كيف يكون البلاغ المبين من الأنبياء لغيرهم لتحصيل الإخبار وجني التصديق؟
الفصل التاسع
البلاغ المبين؟
لأن متطلبات الإقناع الديني، وحيوية المصطلح اللغوي، خلقت ضرورة الحاجة إلى الوصف بالمعروف والمتداول، من أجل إشباع الحاجة الفطرية إلى التعليل، سعيا إلى طمأنينة الاقتناع اليقيني، التي طلبها الأنبياء لربهم، وعدلوا عنها بنتيجتها التي هي الإيمان، وسمّوها هداية؛
ثم لأن الرغبة الغريزية النفسية في السعادة والخلود قيمة مطلوبة بشريا، وغاية كبرى، أسسها الأنبياء في الإيمان، فقد أسس الإسلام مبدأ في غاية الأهمية لجسر الهوة بين الإيمان بالله والبرهان على وجوده وصفاته بالأثر والخبر لا بالمعاينة، من خلال مبدأ المخالفة، وما ترتب عليه من مفاهيم داعمة.
فما الغاية من هذا الحل؟
الفصل الحادي عشر
غاية الطمأنينة والتسليم.
ثمة مسلمتان متقابلتان: مسلمة أن الطمأنينة غاية أسمى للإنسان، وهي إحساس روحي متجانس مع المطلوبات.. و هي كذلك حالة لا تحصل بالمعرفة ضرورة، بل قد يحصل منها ضدها وهو القلق.
ومسلمة أن اليقين حالة للذهن لاحالة للوجود كما هو بالضرورة، فقد يحصل لك يقين في أمر لم تعرفه على حقيقته الوجودية. فاليقين إذن غير الحقيقة، لاختلاف في طبيعتي وجودهما وحالهما. وعدم التشاكل بين الإثنين يؤكد خصوبة مبدأ المخالفة تأويليا عندها نطبقه على تصورانا لمعرفة ذات الله وصفاته على الحقيقة. حتى ولو أوهمتنا اللغة الطبيعية أننا عرفناها. – كيف نكرس ذلك؟
الفصل الثاني عشر
مفهوم التنزيه
انطلاقا من مفهوم التنزيه الذي هو مهارة منهجية قائمة على تأويل مبدأ المخالفة، نرى هذ المفهوم يجتهد في نفي موافقة الدلالة اللغوية للمدلول المعبر عنه من صفات ذات الله وصفات أفعاله.
وهو منهج مطلق الأداء بحكم تجدده، مفتوح على كل الممكنات. و٠يتطور مع دقة التعبير المعرفي، ليتسع إراكنا للمخالفة، ويرتقى التنزيه معها في معرجها. للتوضيح:
بمبدأ المخالفة ومنهج التنزيه فإن معنى كون الله بصيرا تخالف تماما أي طريقة لإبصار المخلوقات.. وهكذا في كل صفات الذات والأفعال.
فما الراجع من هذه الأطروحة عل. موضوعنا؟
الفصل الثالث عشر
مغامرات العقل الأولى بين اليقين والحقيقة
ثمة نزعة بل ولع لدى أغلب الدارسين المحدثين للأديان، -خاصة الأديان السماوية، وأخص من ذلك الباحثون عن أصول الإسلام- بتأريخانية وبشرنة الأديان عموما. وأنا أنهم يهملون بعض الأبعاد التي يجب أن تراعى لفهم هذه الظاهرة المتجذرة تجر اللغة في الإنسان. ومن أدلة ذلك:
– جبلة التين:
إن ما يمكن أن نسمية “جبلة التدين، والاعتقاد” ظاهرة لا يفسرها التعود والتكرار، لأنها حالة مخالطة لكل ذهن إنساني مهما كانت درجة وعيه.
– أن كل لغة بشرية مهما كان فقرها وانقطاعها عن التأثير تحوي اسما يدل مباشرة أو وصفا على معبود لها. أيا كان المصطلح الذي تطدقه ومن أية زاوية.
– أن لكل شعب مجسدا أو مفهوما متعددا أو واحدا، ترمز له رمزا ماديا لتعبده بطقوس ما.
– أن سبر ستحالة سبر أغوار الكون معرفيا في كبرياتها وصغرياتها، تمنع العارفين من تصور الكون تصورا كاملا، حتى تحكم عليه و تدرك بعد ذلك ما وراءه. فهوة الجهل العلمي بالكون سحيقة إلى اللاقرار، ونسبية مجهرية. فكيف يحكم عالم بنفي ما وراء الكون وهو لم يكمل معرفة الكون ذاته؟
الفصل الأخير
من أجل الأمانة
أرى، أن مؤرخي الأديان الذين ينطلقون من بعض التجارب البشرية لتفسير الظاهرة الدينية، أنهم قلبوا الأية، فالأصل في فطرة الإنسان التدين، والبحث عن حاجة الاعتقاد. لكن مراحل وعيه الأولى كانت كثيرة الأخطاء، فكانت نظرته زائغة عن سواء السبيل، وكان كلما تطور وعيه فهم أكثر، وقلت هوامش الخطأ لديه. لتصيح يقينياته الأبعد عن فهم الحقيقة، ويبدلها بيقينيات أكثر ملاءىة.
فتاريخ الأديان البشرية ليس هو الباعث للتدين بل جبلة التيدن. التي هي الفطرة. ولولا ذلك لتخلى الإنسان عن الاعتقاد في كل شيء. إن من يسمي نفسه ملحدا لا يستطيع التخلص من الاعتقاد في شيء ما: الدهر قديما، والمادة حديثا: [وما يهلكنا إلا الدهر] (قرآن كريم.) و “لا إله، والكون مادة”. حسب دستور الملاحدة الجدد.
– لقد افتتن الأنتروبولوجيون العرب والمسشرقون السريان من مؤرخي الأديان بالظاهرة الثقافية في حد ذاتها، وغضوا البصر عن محركاتها الأصلية، وبواعثها الفاعلة. وهكذا أقتصروا على الرمية وأهملوا الرامي.
خاتمة الكتاب
أنهي هذا الكتاب القصير هنا. وأنا مستعد للمناظرة مع أي كان من متخصصي وفلاسفة الزمان، دفاعا عن كل سطر منه.
الدكتور محمدو احظانا رئيس منتدى جائزة شنقيط.
آفاق فكرية بحث، معرفة، تبادل ثقافي