
حين وحّد القرآن أذواق العرب: ميلاد البلاغة علماً.
قبل نزول القرآن الكريم، لم تكن البلاغة العربية علمًا قائمًا على أسس واضحة أو معايير متفق عليها، بل كانت خاضعة لذوق كل قبيلة وما تستحسنه من أساليب التعبير.
فكانت المفاضلات البلاغية تدور بينهم، تشتد حينًا وتخبو حينًا آخر، دون أن تفضي إلى مقياس جامع أو نموذج أعلى يحتكمون إليه. لقد كان كل فريق يسلك في القول طريقًا، ويتوزع العرب في طرائق شتى وأودية متباعدة، مما حال دون نشوء قواعد مستقرة للبيان أو أصول يمكن أن تُدرس وتُقاس عليها جودة التعبير.
ولعلّ ما أورده العلامة محمد سعيد رمضان البوطي من نصٍّ نثري على لسان أعرابي يستجدي مالًا، يُجسّد جانبًا من هذا التشتّت في الذوق والأسلوب؛ إذ يكشف عن تعقيد في اللفظ، وغرابة في التراكيب، وتكلّف في التعبير، وهو ما يدلّ على غياب معيار جامع يُهذّب البيان ويقوّمه؛
(أما بعد فإني امرؤ من الملٌطاط الشرقي المُواصي أسياف تهامة، عكفت علينا سنون مُوحٌش، فأجٌنًبت الُذُرى وهمشت العُرى وجَمشَت النجم وأعجًت ألبهم، وهمًت الشحم،
والتًحبت اللحم و أحٌجًنت العظم ، وغادرت التراب مورا، والماء غورا، والناس أوزاعا و الضًهيل جَراعًا، والمقام ًجعٌجاعًا، فخرجتُ لا أتلفَّع بوصيدة.، ولا أتقًوت بمهيدة، فالَبخَصات وقعة والركبات َزلَعة، والجسم مُسَلٌهمٌ،والنظر مُدٌرَهمٌ، فهل من آمر بَمٌبر أو داع بخير” (40)
……………………………………………………………………
الشرح: الملطاط، حرف من أعلى الجبل أو جانب منه، والمواصي: أي المتصل، وأسياف: جمع سيف يقال لساحل البحر، ومحش: بمعنى محرق أي أحرقت الزرع والكلأ. وفاجتبت: بمعنى قطعت، والعرى: جمع عروة وهي القطعة من الشجر وحميشت بمعنى حلقت، والنجم النبات الذي لا يستقيم على ساق، وأعجبت إليهم أي جعلنها عجابا وهي جمع عجى وهو ما فقد أمه من الإبل، وهمت الشحم: أذابته، وألحيت اللحم: أي قشرته عن العظم أي عوجته فصيرته كالمحجن، وغادرت التراب مورا: أي يمور مورا بمعنى يجيء ويذهب، والغور: الغائر، والأوزاع: الأقسام المشتة والضهيل: الماء القليل، وجراعا جمع جرع وهو ما لا يروى من الماء، والجعجاع: المكان الذي يطمئن من قعد فيه، لا أتلفع: لا أشتمل، يوصيده: أي بأن شيء منسوج، والمهيدة: حب الحنظل، واليخصات جمع يخص: لحم باطن القدم، ووقعه من قولهم وقع الرجل إذا إشتكى لحم باطن قدمه، والزلعة جراحة فاسدة تكون من تشقق اللحم في القدم أو الركبة. جوع أو نحوه، والمبر: العطية من الطعام.)(41).
وفي ظل هذا التشتت، لم يكن من الممكن أن تتبلور للبلاغة العربية حقيقة جامعة، أو أن تتشكل قوالب أدبية راسخة تحفظ اللغة وتصقلها. إذ لا قيام لعلمٍ بلا نموذجٍ يُحتذى، ولا استقرار لذوقٍ بلا معيار يُرجع إليه.
وهكذا بقيت البلاغة قبل القرآن مجرد محاولات متفرقة، تعكس أذواقًا متعددة دون أن توحدها رؤية كلية أو مقصد مشترك.
لكن هذا الواقع تغيّر جذريًا مع نزول القرآن الكريم. فقد التفت العرب إليه، فدهشوا لبيانه، وخضعوا لسمو تعبيره، وأجمعوا – على اختلاف لهجاتهم وأذواقهم – أنه كلام لا يُجارى، ولا يُرقى إلى مستواه. وكان ذلك إيذانًا بميلاد المثل الأعلى في البلاغة، الذي أنهى حالة التفرق، وجمع العرب على معيار واحد يُقاس إليه جمال القول وروعة البيان.
ومنذ ذلك الحين، أصبحت بلاغة القرآن هي الوحدة القياسية التي يُحتكم إليها، فتوجّهت أنظار العلماء إلى دراسته، واستنبطوا من نظمه وأسلوبه قواعد البلاغة وأصول البيان، واستكشفوا وجوه إعجازه، فظهرت علوم البلاغة بمباحثها المختلفة، واستقلت فنونًا قائمة بذاتها في التراث العربي. ولم يكن ذلك ليحدث لولا القرآن، الذي لم يكن مجرد نص بليغ، بل كان المنبع الذي تفرعت منه هذه العلوم، والمرجع الذي استمدت منه قواعدها ومقاييسها…يتواصل….
ملاحظة: اجعل لنفسك مشروع دعوة: فالدعوة اليوم مسؤولية الجميع، ولكل شخص دوره حسب موقعه وقدرته.
آفاق فكرية بحث، معرفة، تبادل ثقافي