في خطوة أثارت جدلًا واسعًا، وجّه البيت الأبيض دعوة رسمية إلى قادة خمس دول إفريقية – هي موريتانيا، السنغال، ليبيريا، الغابون، وغينيا بيساو – لحضور قمة مغلقة عقدت يوم الأربعاء 9 يوليو 2025، تحت غطاء “تعزيز العلاقات الدبلوماسية، ودفع الأهداف الاقتصادية المشتركة، وتوسيع التعاون الأمني”، كما نقلت شبكة CNN.
وفي حين استبشرت شعوب هذه الدول باللقاء، طمعًا في فرص اقتصادية وهجرة قانونية منظمة، بدا أن القمة تحمل في طيّاتها أهدافًا مغايرة، قد تعيد إلى الأذهان سياسة “الصفقات” التي لطالما اعتمدها الرئيس الأمريكي السابق والحالي دونالد ترامب، خاصة في تعامله مع دول مثل أوكرانيا أو حتى إيران.
القمة خلف الأبواب المغلقة: معادن وهجرة؟
تقرير صحيفة وول ستريت جورنال كشف ما وراء الكواليس، حيث تبين أن الاجتماع لم يكن يهدف فقط للتعاون الاقتصادي، بل جاء في سياق خطة أمريكية ترمي إلى ترحيل مهاجرين غير شرعيين إلى هذه الدول الإفريقية، بعد أن رفضت دولهم الأصلية استقبالهم أو لم تُحدد بعد أماكن ترحيلهم بدقة.
وبحسب وثائق داخلية، فإن وزارة الخارجية الأمريكية أرسلت طلبات رسمية إلى الدول الخمس لاستقبال مهاجرين “تحت الإجراء”، شرط ألا تعيدهم إلى أوطانهم الأصلية، إلى أن تُتخذ قرارات نهائية بشأن ملفاتهم داخل أمريكا. وهذا ما يُفهم منه أن القمة استخدمت كغطاء دبلوماسي لأجندة أمنية مثيرة للجدل، تضرب عرض الحائط بالمعايير الإنسانية والقانونية التي تحكم ملف الهجرة.
رغم تواضع اقتصادات الدول الخمس، إلا أنها تمتلك ثروات طبيعية مهمة تشمل النفط، الغاز، والذهب، إضافة إلى موقعها الجغرافي الحساس، خصوصًا كون بعضها يمثل نقاط انطلاق للهجرة غير النظامية نحو الغرب. ويرى مراقبون أن ترامب سعى إلى إعادة تفعيل استراتيجية “استغلال الحلفاء الفقراء”، عبر ما يشبه صفقة معادن جديدة كما فعل سابقًا مع أوكرانيا، لكن هذه المرة بثمن إنساني باهظ.
الكاوبوي لا يحترم البروتوكول!
ما أثار الاستغراب أكثر هو طريقة تعامل ترامب مع القادة الأفارقة خلال القمة؛ حيث لوحظت إيماءات تهكمية وتعليقات فظة من جانبه، تعكس، وفق محللين، “نظرة استعلائية وعنصرية”، لا تراعي البروتوكول ولا السياقات الثقافية والدبلوماسية التي يفترض أن تسود في لقاءات من هذا المستوى.
موقف موريتانيا: رفض وطني؟
وبحسب مصادر مطلعة، فإن الوفد الموريتاني كان من بين أول الرافضين لهذه الإملاءات، في ظل تجربة مريرة عاشتها البلاد سابقًا مع الاتفاقات الأوروبية الخاصة بالهجرة، والتي لم تراعِ خصوصية المجتمع الموريتاني ولا ظروفه الاجتماعية والاقتصادية.
موريتانيا – كغيرها من دول الجنوب – لم تعد تقبل بأن تكون “مكب نفايات بشرية” لسياسات دول الشمال، ولا أن تتحمل وحدها تبعات ملفات دولية عجز العالم عن حلّها، كالتهجير والفقر والصراعات السياسية.
اللقاء الذي بدا في ظاهره قمة شراكة اقتصادية، ربما ينتهي إلى فشل سياسي جديد لترامب، إن واصل أسلوبه الاستعلائي والتعامل مع القارة الإفريقية كأرض مستباحة. فما فشلت فيه القوى الاستعمارية الجديدة، قد لا يُفلح فيه حتى أدهى الساسة الأميركيين، لأن الشعوب الإفريقية بدأت تستفيق، وتدرك أكثر فأكثر أن ما يعرض عليها ليس “شراكة”، بل صفقة مشروطة بثمن سيادي وإنساني باهظ.