القرآن بين مرآة الإنسان وسلطة الخالق: تفكيك دعوى “الكلام البشري”
إذا انطلقنا من العملية العقلية التي تمكّن الإنسان من فهم الواقع وإصدار الأحكام عليه، واعتمدنا القاعدة المقرّرة في علم النفس التربوي: “الكلام مرآة لنفسية المتكلم”، فإننا نمتلك أداة تحليلية دقيقة يمكن توظيفها لفحص طبيعة أي خطاب؛ إذ لا يمكن للكلام أن ينفصل عن مصدره، ولا أن يتجاوز البنية النفسية والوجودية لصاحبه.
وبالرجوع إلى الافتراض القائل: إن القرآن كلام بشر، فإن مقتضى هذا الادعاء – وفق هذه القاعدة – أن يكون القرآن انعكاسًا صادقًا للنفس الإنسانية، وأن تتجلى فيه خصائص الإنسان كما تظهر في سائر كلامه: محدودية التجربة، حضور الذات، التعبير عن الحاجات، والانشغال بالهموم الفردية والاجتماعية.
فالإنسان، بحكم طبيعته، لا يخرج في خطابه عن دائرته الإنسانية الضيقة؛ فهو يتحدث عن آماله وآلامه، عن طموحاته ومخاوفه، عن علاقاته ومصالحه، عن صراعاته الداخلية والخارجية. وحتى حين يحاول التجريد أو الفلسفة، يظل أسير تجربته وحدود إدراكه، فلا يتجاوزها إلا ظنًا أو تخمينًا.
غير أن المتأمل في القرآن يجد نفسه أمام نمط مغاير تمامًا من الخطاب؛ خطاب لا يتمحور حول الذات الإنسانية، ولا يعكس تجربة فردية أو جماعية محدودة، بل ينفتح على أفق كوني شامل. فهو يتحدث عن نشأة الكون، وعن قوانين الوجود، وعن سنن الحياة، وعن مصير الإنسان، بلهجة تقريرية لا تعرف التردد ولا الاحتمال.
يقول تعالى:
﴿﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا ۖ وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ ۖ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ﴾[سورة الأنبياء الآية:30].
﴿وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا لَّعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾[الأنبياء ، الآية: 31].
﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَّحْفُوظًا ۖ وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ}.[الأنبياء: 32].
هذا ليس حديث إنسان يصف ما يشعر به أو ما يراه ضمن تجربته المحدودة، بل هو خطاب يتناول أصل التكوين وقوانين الكون بصيغة تقريرية شاملة.
ثم ينتقل الخطاب إلى مستوى آخر من الكلية:
﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ الْخُلْدَ ۖ أَفَإِن مِّتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ}[الأنبياء: 34].
﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ [الأنبياء:35].
هنا لا نجد تجربة شخصية، بل نجد قوانين وجودية عامة، تشمل كل إنسان في كل زمان ومكان: الموت، الابتلاء، والمصير.
والأهم من ذلك أن المتكلم في القرآن لا يكتفي بعرض هذه الحقائق، بل ينسبها إلى نفسه بصيغة الفاعل المطلق:
﴿ففتقناهما﴾، ﴿وجعلنا﴾، ﴿نبلوكم﴾، ﴿إلينا ترجعون﴾.
وهنا تبلغ الحجة ذروتها:
هل يمكن لإنسان – محدود بزمانه ومكانه، محكوم بضعفه وفنائه – أن يتكلم بهذا المستوى من الإطلاق؟
هل يمكنه أن ينسب إلى نفسه خلق الكون، وسنّ القوانين الكونية، والتحكم في مصير البشرية جمعاء؟
إن الإنسان، من حيث طبيعته، لا يخرج عن حدوده الوجودية؛ فهو لا يخلق، ولا يحيط بالكون، ولا يملك مصير الناس، ولا يستطيع – بوعي سليم – أن يدّعي أن الخلق جميعًا سيرجعون إليه.
ومن هنا يتكشف التناقض الجوهري في دعوى أن القرآن كلام بشر:
فهذا النص لا يحمل سمات الخطاب الإنساني، بل يتجاوزها من حيث الموضوع، ومن حيث السلطة، ومن حيث طبيعة المتكلم نفسه.
إنه خطاب يتكلم بسلطة الخلق، لا بحدود المخلوق؛
ويقرر سنن الوجود، لا يصف تجربة داخل الوجود.
فإذا انتفت عنه صفة الكلام البشري وفق القاعدة العقلية والنفسية، فإن السؤال لم يعد: هل هو كلام بشر؟
بل أصبح:
ما مصدر هذا الخطاب الذي يتجاوز الإنسان، ويتكلم بسلطة لا يملكها الإنسان؟
وهنا يبدأ الانتقال من نفي الدعوى إلى البحث عن التفسير:
هل نحن أمام نص بشري متجاوز لطبيعته؟
أم أمام خطاب صادر عن مصدر أعلى، يفسر هذا الاتساع وهذه السلطة؟
القرآن لا يشبه الكلام البشري:
1_لا يعكس تجربة ذاتية ولا حدودًا إنسانية، بل يتكلم بسلطة شاملة عن الكون والإنسان والمصير.
سقوط التفسيرات البشرية:
2_لا يمكن تفسيره كنتاج فردي، أو جماعي، أو عبقرية، أو تجربة روحية. طبيعة الخطاب تفرض مصدرًا متعاليًا:
3_لأنه يحمل علمًا مطلقًا وسلطة تشريعية وهيمنة في التعبير.
اذا نستنتج أن المصدر الوحيد المنسجم مع هذه الخصائص هو مصدر إلهي.أي كلام الله رب العالمين.
والترجيح النهائي لا يوجد تفسير يفسّر القرآن تفسيرًا أكمل من كونه وحيًا، فتكون هذه النتيجة خلاصة عقلية، لا مجرد افتراض…..يتواصل….
ملاحظة: اجعل لنفسك مشروع دعوة: فالدعوة اليوم مسؤولية الجميع، ولكل شخص دوره حسب موقعه وقدرته.
آفاق فكرية بحث، معرفة، تبادل ثقافي