القرآن وسؤال المعنى: من أزمة الإلحاد المعاصر إلى برهان الوحي (الحلقة الرابعة)/المرابط ولد محمد لخديم

العقل والطريقة العلمية: مدخل لفهم معجزة القرآن الكريم.
   الطريقة العلمية: هي منهج منظم في البحث يقوم على الملاحظة والتجربة واستخلاص القوانين، ويُستخدم أساسًا في دراسة الظواهر المادية المحسوسة. وقد حققت هذه الطريقة نجاحًا كبيرًا في مجال العلوم الطبيعية، خاصة منذ الثورة الصناعية، الأمر الذي دفع بعض المفكرين إلى اعتبارها النموذج الوحيد للتفكير الصحيح ومقياسًا لكل معرفة.
غير أن هذا التعميم ينطوي على خطأ معرفي؛ لأن الطريقة العلمية ليست أصل التفكير، وإنما هي أسلوب من أساليبه. فالأصل في التفكير هو العقل الإنساني، الذي يدرك الواقع عبر الحواس ثم يقوم بتفسيره وإصدار الأحكام عليه. بل إن الطريقة العلمية نفسها تقوم على جملة من المعارف العقلية السابقة التي لا بد للباحث أن يمتلكها قبل أن يبدأ أي تجربة علمية.
     إضافة إلى ذلك، فإن نتائج العلم ليست يقينية مطلقة، بل تبقى قابلة للمراجعة والتعديل مع تطور البحث وتقدم المعرفة؛ إذ إن كثيرًا من النظريات العلمية التي كانت تعدّ حقائق ثابتة تغيرت مع مرور الزمن. كما أن هناك مجالات واسعة من المعرفة الإنسانية – مثل الفلسفة والأخلاق والسياسة والتاريخ – لا يمكن إخضاعها للتجربة المخبرية، ومع ذلك تظل مجالات حقيقية وأساسية في فهم الإنسان للعالم وتنظيم حياته.
     ومن جهة أخرى، فإن الأفكار الكبرى والنظريات العلمية لا تنشأ عادة من التجربة وحدها، بل تبدأ غالبًا بفرضيات عقلية يصوغها الإنسان، ثم تأتي التجربة لاحقًا لاختبارها والتحقق منها. ولهذا فإن التجربة ليست منشئة للأفكار من العدم، وإنما هي وسيلة للتحقق منها.
     وبناءً على ذلك، فإن العلاقة بين العقل والطريقة العلمية هي علاقة أصل وفرع؛ فالعقل هو الإطار العام الذي تتم داخله عملية التفكير، بينما تمثل الطريقة العلمية أداة خاصة لدراسة الظواهر الطبيعية. ومن هنا يتبين أن الخطأ لا يكمن في استخدام الطريقة العلمية، بل في تحويلها إلى المرجعية الوحيدة للمعرفة؛ لأن المعرفة الإنسانية أوسع من أن تختزل في التجربة وحدها، فهي تقوم على تكامل الحواس والعقل والتجربة والاستنباط في فهم العالم والبحث عن الحقيقة.
غير أن العقل لا يعمل بمعزل عن بقية مكونات الإنسان؛ فالإنسان يجمع بين العقل والعاطفة، وهذا التوازن هو الذي يشكل الفطرة الإنسانية السليمة. فالعاطفة تمنح الإنسان الدافع والحركة، بينما يمنحه العقل التوجيه والضبط. ولذلك ينبغي أن يقود العقل مسيرة الإنسان، في حين تبقى العاطفة قوة محركة له؛ لأن سيطرة العاطفة وحدها قد تقود إلى الاندفاع والفوضى، بينما يؤدي التفكير المجرد الخالي من العاطفة إلى جفاف يضعف قدرة الإنسان على الصمود والحيوية.
     وعندما يتحقق التوازن بين العقل والعاطفة، يصبح الإنسان قادرًا على التأمل في الوجود، وفهم حقيقة الأشياء، والبحث عن الدين الذي يطمئن إليه عقله وتستريح به نفسه.
ومن هنا تظهر أهمية الطريقة العقلية بوصفها أساس التفكير الإنساني، وهي المنهج الذي اعتمده القرآن الكريم في مخاطبة الإنسان. ولذلك يبرز سؤال جوهري:
هل يمكن أن يكون الخطاب القرآني صادرًا عن بشر، أم أنه وحي من الله؟
     إن هذا السؤال يقودنا إلى الانتقال من الحديث عن منهج التفكير إلى البحث في مصدر الخطاب القرآني. فإذا انطلقنا من القاعدة العقلية التي تقرر أن الحكم على الأشياء لا يتم إلا بعملية ربط بين الواقع والمعلومات السابقة، أدركنا أن العملية العقلية لا تتحقق إلا بوجود هذه العناصر معًا.
ومن هنا كان لا بد للإنسان الأول من أن يمتلك معلومات سابقة تساعده على فهم الواقع الذي يواجهه. وهذا ما تشير إليه الآية الكريمة في قصة آدم عليه السلام:
   ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ [البقرة: 31].
ثم قال تعالى:
   ﴿قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ [البقرة: 33].
    تدل هذه الآيات على أن المعرفة لا تتحقق إلا بوجود معلومات سابقة تمكّن الإنسان من إدراك الأشياء عندما تعرض عليه. فآدم عليه السلام علّمه الله أسماء الأشياء، فلما عرضت عليه استطاع التعرف عليها. ولو لم تُعط له هذه المعلومات ابتداءً لما تمكن من معرفتها.
     ومن هنا يتضح أن المعلومات السابقة شرط أساسي للعملية العقلية، أي لمعنى العقل ذاته الذي يقوم على الحكم على الشيء: ما هو؟ وعلى هذا الأساس فإن الطريق القويم الذي يؤدي إلى المعرفة العقلية اليقينية يقتضي توافر أربعة عناصر رئيسية:
وجود واقع.
إحساس بهذا الواقع.
دماغ صالح للإدراك.
معلومات سابقة تُفسَّر بها المدركات.
     وباكتما ل هذه العناصر تتحقق العملية العقلية التي تمكّن الإنسان من فهم الواقع وإصدار الأحكام عليه، وهو ما يشكل الأساس المنهجي للانتقال إلى البحث في مصدر الخطاب القرآني وإثبات حقيقته….يتواصل….
ملاحظة: اجعل لنفسك مشروع دعوة: فالدعوة اليوم مسؤولية الجميع، ولكل شخص دوره حسب موقعه وقدرته.

شاهد أيضاً

ليلة القدر… فرصة العمر/المرابط ولد محمد لخديم

    كلما أقبلت العشر الأواخر من رمضان، يتجدد في قلوب الصائمين انتظار ليلةٍ ليست …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *