في بداية شهر مايو 2025، شنت الحركات الأزوادية الإنفصالية وجماعة نصرة الإسلام والمسلمين هجمات عسكرية واسعة ومتزامنة على الجيش المالي وحلفائه من المجموعات الروسية المسلحة، الفيلق الإفريقي ( فاغنر سابقا)، وأسفر الهجوم عن سيطرة المتمردين على معسكرات للجيش المالي مثل معسكر: كاتي ثاني أكبر معسكر في مالي، ومعسكر تيساليت الاستراتيجي، بالإضافة إلى إحكام السيطر على أكبر مدن الشمال كيدالي، وموبتي وسيفاري في الوسط. وقد تسبب الهجوم في مقتل وزير الدفاع المالي.
إن هذا الهجوم الأخيريأتي ضمن سلسلة طويلة من التمرد في منطقة أزواد، آخرها كان التمرد الذي قاده تحالف الحركات الأزوادية المسلحة سنة 2012، وتمكنت في ذلك الهجوم من السيطرة على عدد من المدن في الشمال المالي، وهددت العاصمة بامكو لولا التدخل العسكري الفرنسي الذي وضع حدا لتقدمهم عبرعمليتي سرفال وبرخان (2013) التي نتج عنهما إضعاف حركات أزواد المسلحة والجماعات التابعة للقاعدة في المغرب الإسلامي، حيث تم إخراجهم من كل المدن المالية.
وبحسب المراقبين فإن الهزائم التي تكبدتها الجماعات المسلحة كان لها دور مهم في إقناعهم بالمشاركة في الحوار الذي أسفر عن توقيع اتفاقية الجزائر سنة 2015، والتي كان من أبرز بنودها إرساء حكم ذاتي موسع لمنطقة أزواد مقابل عدم الانفصال. وقد ضمنت الحكومة المالية بذلك الاتفاق الوحدة الترابية لمالي، مقابل وعود من بينها بتعزيز التنمية في إقليم أزواد، ودمج المسلحين الانفصاليين في الجيش وتعيين قادتهم السياسيين في مناصب سياسية من أبرزها الوعد بتعيين زعيم نصرة الإسلام والمسلمين إياد آغ غالي قنصلا في السعودية.
وقد ساهمت هذه الاتفاقية في الحفاظ على الاستقرار في مالي وفي منطقة الساحل نسبيا بعد احتواء أسباب التوترات ودعوات الانفصال التي كان من أبرز أسبابها شعور سكان الشمال بمختلف مكوناتهم الإثنية ( العرب، الطوارق، فلان ماسينا… ) بالغبن والتهميش من طرف الحكومة المركزية في الجنوب. لكن هذه الاتفاقية لم تدم طويلا حيث واجهت مجموعة من التحديات أهمها عدم التزام الحكومة في بامكوا بتعهداتها بإقامة مشاريع تنموية في الشمال، وقد زاد الطين بلة الانقلاب العسكري بقيادة الجنرال عاصمي گويتا الذي ألغى اتفاقية الجزائر، وانتهج مقاربة مختلفة تعتمد استخدام القوة العسكرية كأداة لبسط السيطرة على كامل التراب المالي، بدلا من الدبلوماسية والحوار لحل أزمة أزواد.
يرى بعض المراقبين أن الخطوات المتشددة التي اتخذها المجلس العسكري الانتقالي جاءت كردة فعل على رفض فرنسا والجزائر وموريتانيا ودول الإكواس الاعتراف بالانقلاب العسكري، فقامت بطرد القوات الفرنسية وألغت اتفاقية الجزائر وتسببت هذه الخطوة بتوترعلاقاتها مع موريتانيا والجزائر وساحل العاج، متهمة إياهم بمساعدة المتمردين لوجستيا وبالتدخل في الشأن الداخلي لمالي.
كان من نتائج توتر العلاقات بين المجلس الانتقالي مع هذه الدول إضعاف الدولة المالية من الناحية العسكرية والاقتصادية، وبالتحديد في الجانب الاقتصادي حيث تأثر التبادل التجاري بينها وبين دول الجوار، وقد استغلت الحركات الانفصالية هذه التناقضات وعملت على الإستفادة منها سياسيا وعسكريا، حيث سعوا إلى خنق العاصمة بامكو من خلال السيطرة على نهر النيجير الذي كان أحد أهم شرايين الحياة للعاصمة بامكو حيث يتم من خلاله الاستيراد والتصدير. فعمدت كذلك إلى قطع امدادات البنزين والديزل القادمة من السنغال وساحل العاج وأخيرا بدأت بحرق الشحانات المغربية التي تزود مالي بالخضروات والفواكه عبر الحدود الموريتانية.
ويرى المراقبون أن العامل الأساسي في هزيمة الجيش المالي وحلفائه هوالتحالف الذي كان مستبعدا بين الحركات الأزوادية مع جماعة نصرة الإسلام والمسلمين التابعة للقاعدة. فقد كان لهذا التحالف دور كبير في نجاح الهجوم المفاجئ الذي تسبب في دحر القوات المالية وحلفائها الروس، الذين انسحبوا تحت حماية الحركات الأزوادية.
يجدر بالذكر أنه منذ وصول الإنقلابيين إلى السلطة تفاقمت الأزمة السياسية في مالي حيث تحول البلد إلى ساحة للتدخلات الأجنبيّة بغية تصفية الحسابات بين المعسكر الغربي من جهة بقيادة فرنسا التي تم طردها من مالي، وبين الروس الذين يسعون إلى سد الفراغ الذي خلفه انسحاب القوات الفرنسية وقوات الأمم المتحدة.
وبالإضافة إلى الروس هناك تواجد تركي قوي لا نستبعد أن تهدف تركيا من ورائه إلى تصفية حساباتها مع فرنسا، حيث إن بينهما خلافات كبيرة ، إذ تعتبر فرنسا أكبر دولة مناوئة لتركيا والأشد اعتراضا على انضمامها للاتحاد الأوروبي با لإضافة لدورها البارز في الحملة الهادفة إلى اتهام تركيا بإبادة الأرمن.
وعليه فإن مخاطر الأزمة المالية لا تكمن في الأزمة السياسية بين الحكومة والحركات الانفصالية فحسب وإنما في التدخلات الخارجية من قبل دول تحاول تصفية حساباتها على الأراضي المالية. لكن هناك مخاطلر أخرى لا تقل خطورة وتشكل قنبلة موقوتة ألا وهي التناقضات بين الحركات الانفصالية الأزوادية وبين الجماعات الإرهابية المتحالفة معها حاليا، إذ لا يوجد قاسم مشترك بينهما سوى الاتفاق على إسقاط النظام العسكري في بامكو. وهذا ما جعل المراقبين يعتبرون أن الحرب في الشمال بين الحركات الأزوادية والجماعات الإسلامية حرب حتمية، وإنما تم تأجيلها لغاية التخلص من العدو المشترك. إن خطورة أزمة مالي تكمن في النتيجة الحتمية التي ستخلفها وانعكاساتها السلبية التي لن تنحصر مضاعفاتها في حدود مالي؛ بل ستصل ارتداداتها إلى أبعد من إفريقيا لتصل ربما إلى جميع أنحاء العالم، عبر موجات اللاجئين والمهاجرين ، أما على المستوى الداخلي فقد تتسبب في أزمة الإنسانية كبيرة في بلد من أفقر بلدان العالم، كما أنها ستفتح المجال للحركات المتطرفة التي ستسغل غياب السلطة وستسرح وتمرح دون رادع في بلد شاسع تبلغ مساحته 1.24 مليون كم مربعا، ولديه حدود مشتركة مع سبع دول وبالتالي سيتحول إلى مصدر تهديد أمني مباشر لدول الجواروالمنطقة والعالم أجمع.
وفي غياب قدرة الأطراف المتحاربة على حسم الصراع بالقوة العسكرية، يرى أغلب المراقبين أن حل النزاع لا يمكن أن يكون إلا عبر الحوار والتفاوض خاصة في ظل تعقيدات النزاع التي أثبت التاريخ أن المقاربة العسكرية وحدها قد فشلت في وضع حد له.
وبناء على المثل القائل الوقاية خير من العلاج ، فإن دول الجواروالقوى الإقليمية مطالبة بالسعي لجمع الأطراف والبحث عن حلول سلمية لهذه الأزمة ولا ينتظروا إلى أن تصل ارتداداتها لكل المنطقة، وتقع الفأس في الرأس ليبدوا في البحث عن الحلول حينها سيكون قد فات الأوان.
الدكتور / محمد الحاج محمود الطالب
رئيس مركز رائد للدراسات الاستراتيجية والتنمية الدوحة_ قطر.
آفاق فكرية بحث، معرفة، تبادل ثقافي