في كل مرة يطل علينا الأستاذ الدكتور اسلكو احمد ازيد بيه بعمل جديد، يؤكد أن الإبداع الحقيقي لا تقيده حدود التخصص. فرغم مكانته المرموقة بوصفه عالمًا في الرياضيات، فإنه يواصل حضوره المتميز في مجالات الفكر والتاريخ والأدب وفلسفة الدبلوماسية، مقدمًا كتابات تمتاز بعمق الفكرة، ورصانة الطرح، وجمال الأسلوب، فتجذب القارئ بما تحمله من رؤى تستلهم الواقع وتلامس قضاياه.
وفي مقاله الموسوم «الصوت عدو النجاح»، يتناول الكاتب قضية تبدو مألوفة للوهلة الأولى، لكنه يكشف عن أبعادها العلمية والتربوية بأسلوب يجمع بين المعلومة الدقيقة والتحليل الهادف. ويبين أن الضوضاء ليست مجرد مصدر للإزعاج، بل عامل مؤثر في صحة الإنسان، ينعكس سلبًا على القدرة على التركيز والتحصيل العلمي والأداء الذهني، مستندًا إلى حقائق علمية تؤكد خطورة التعرض للأصوات المرتفعة.
ولتعزيز هذه الفكرة، يستعرض تجربة كوريا الجنوبية، حيث تتحول امتحانات الباكالوريا إلى حدث وطني تُسخر له إمكانات الدولة، فتُتخذ إجراءات استثنائية لضمان الهدوء، من بينها الحد من مصادر الضوضاء وتعليق حركة الطيران أثناء اختبار الاستماع، في صورة تعكس المكانة الرفيعة التي يحظى بها التعليم والاهتمام البالغ الذي يولى للطالب.
ويخلص إلى أن النجاح لا يتحقق بالاجتهاد وحده، بل يحتاج كذلك إلى بيئة هادئة توفر للمتعلم المناخ الملائم للتفكير والإبداع، وأن احترام العلم يبدأ بتهيئة الظروف التي تساعد على التعلم والإنتاج المعرفي.
وهكذا ينجح الأستاذ الدكتور اسلكو ازيد بيه في تحويل معلومة علمية وتجربة واقعية إلى رسالة تربوية وثقافية عميقة، تدعو إلى إعادة ترتيب أولوياتنا، وتؤكد أن بناء الأجيال لا يعتمد على المناهج وحدها، بل يرتكز أيضًا على البيئة التي تُصنع فيها المعرفة، وتنمو فيها العقول، ويزدهر فيها الإبداع.
المرابط ولد محمد لخديم
المدير الناشر لآفاق فكرية
نص المقال:
الصوت عدو النجاح
١- الديسيبل
تعتبر منظمة الصحة العالمية أن صوتا بحدة تزيد على 85 « ديسيبل» (الوحدة العالمية لقياس حدة الصوت) ضار بالسمع، ويزداد هذا الخطر مع زيادة فترة التعرض لهذا الصوت، وتنصح المنظمة بوقاية الأذنين عندما يتجاوز الصوت هذه العتبة لوقت يطول ويقصر.
ومن خواص الديسيبل أن كل زيادة بثلاث وحدات، تضاعف الحدة ؛ فمثلا، 100 ديسيبل قياس لحدة تساوي 32 مرة حدة 85 ديسيبل.
في ما يلي قياسات لبعض الأصوات المعهودة:
– الهمس (في مكتبة): من 0 إلى 30 ديسيبل
– الكلام العادي (في البيت): من 30 إلى 60
– حركة مرور السيارات في الشارع : من 60 إلى 85
– مطرقة حفر(البناء) : من 85 إلى 100
– حفل : من 100 إلى 110
– صفارة سيارة إسعاف: من 110 إلى 120
– طائرة عند الإقلاع: فوق 120.
٢- الباكالوريا في كوريا الجنوبية
في كوريا الجنوبية -الدولة التي مرت، في أقل من نصف قرن، من التخلف والبؤس إلى الرقي الثقافي والازدهار المادي- يحدد الترتيب في امتحان الباكالوريا مصير كل مترشح : التسجيل في التعليم العالي ومستواه، المستقبل المهني، المستوى الاجتماعي، إلخ.
في هذه الدولة، يتم اتخاذ تدابير استثنائية للحد من الإزعاج الصوتي خلال امتحانات الباكلوريا -التي يطلقون عليها “سوسينغ”، حيث يحظر تفعيل المنبهات الصوتية للسيارات ومطارق الحفر، ويخضع المراقبون لقيود شبه-تعجيزية، حيث يحظر عليهم مثلا ارتداء أحذية عالية أو حتى استعمال العطور…
والأغرب في الأمر، أنه في هذه الدولة التي تعتز بلغتها وأبجديتها القديمة وثقافتها العريقة، تتوقف حركة الطيران إقلاعا وهبوطا لمدة نصف ساعة، عندما يحين وقت امتحان الشفهي في اللغة الإنجليزية!…
أ.د اسلك احمد إزبد بيه. رئيس مجلس جائزة شنقيط.
آفاق فكرية بحث، معرفة، تبادل ثقافي