
تشرفتُ، يوم الثلاثاء الموافق 4 أغسطس 2026م، بإيداع نسخ من مؤلفاتي في مكتبة أيقونة موريتانيا وشاعرها الكبير أحمدو ولد عبد القادر، وهي المكتبة التي ظلت حلمًا حتى رأت النور في السنة الماضية، ضمن مبادرة ثقافية وعلمية مهمة أطلقها الدكتور الشيخ معاذ سيدي عبد الله ، مدير المعهد التربوي، تقديرًا للعلم والعلماء، ووفاءً لأهل الفكر والإبداع، في بلد لا يُذكر فيه اسم الباحث والعالِم إلا بعد رحيله!!
وقد شمل الإيداع مؤلفين:
«معرفة الله: دلائل الحقائق القرآنية والكونية»، الصادر في طبعته الأولى عن دار الوثائق بدمشق سنة 2021م، وفي طبعته الثانية عن دار وحي القلم بدمشق سنة 2022م، وهو العمل الحاصل على جائزة شنقيط في تخصص الدراسات الإسلامية في طبعتها الثانية سنة2003م
و«دين الفطرة: استنطاق الرياضيات والفيزياء بلغة إنسانية»، الصادر في طبعته الأولى عن الأكاديمية الهندية في دلهي سنة 2010م، وفي طبعته الثانية عن دار المعراج بدمشق سنة 2014م، وقد أصبح مرجعًا في عدد من الجامعات العربية والأجنبية.
أما الشاعر الكبير أحمدو ولد عبد القادر، فهو غني عن التعريف؛ شاعر ومناضل ومقاوم، ومن رواد التأسيس، وظلت أشعاره مرآة صادقة لمواقفه الوطنية والقومية العربية والإنسانية، ولسانًا معبرًا عن هموم الجماهير وقضايا الأمة، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية.
لقاء سابق… وغزة حاضرة في وجدان الشاعر
وأمام هذه المكتبة وما تختزنه من ذاكرة، يجدر بي أن أعود إلى لقاء سابق كنت قد أجريته مع الشاعر يوم الخميس 21 ديسمبر 2023م، الموافق 8 جمادى الآخرة 1445هـ.
تبادلنا أطراف الحديث، فإذا به منشغل بما يجري في غزة، وبجرائم الاحتلال الصهيوني، وبقدرة أهل غزة اللافتة على الصمود وتحمل الموت حتى غدا أمرًا عاديًا في حياتهم اليومية.
وحدثني، في هذا السياق، عن أن بعض القبائل العربية في موريتانيا عُرفت تاريخيًا بقوة تحمل فائقة.
قلت له ممازحًا: هل من إنتاج جديد؟
فأجابني: «كل شيء جائز!»
ثم عرّجنا على بعض قصائده، وبدافع الفضول سألته عن المناسبات والظروف التاريخية التي قيلت فيها.
حدثني عن مرحلة ما بعد نكسة 1967م، وعن مشروع روجرز، وزير الخارجية الأمريكي الأسبق، وما أثاره الحديث عن التسوية والسلام من ردود فعل في أوساط القوميين العرب.
وفي تلك الأجواء جاءت قصيدته «الحقوق الضائعة» تعبيرًا عن رفض أوهام السلام، والتشبث باستعادة الحقوق:
حكم العنف أيها الإنسانُ
إنما السلم خدعة وهوانُ
فجميع الحقوق ديس سناها
فهو ملقى على الحضيض مهانُ
ومضة النور ألبستها الليالي
ظلمَ الجور وهي لا تستبانُ
تملأ الكون ضجةً وكلامًا
وسلامٌ وحكمةٌ وأمانُ
وإذا ما نظرت تلقاه حبرًا
باهت اللون حظه النسيانُ
وصدى تائهًا يروح ويغدو
جفي المتاهات ما له ترجمانُ
كلما سُطرت معالم خير
حطمتها الأقزام والغيلانُ
وإذا بالصواب فيه رصاصٌ
وإذا بالحروف فيه دخانُ
نكبة بعد نكبة بعد أخرى
يتوالى العدوان والعدوانُ
وجراح القلوب تزداد عمقًا
واشتعالًا ضماده الأحزانُ
يا فلسطين يا فريسة عصر
لقوى الشر عبره غليانُ
قد بحثنا عن الحقوق فكانت
كسراب يعتامه الظمآنُ
مجلس الأمن خدعة والأماني
حول جدواه هدّها الخسرانُ
أرضه غابة النمور وليس العدل
في مسرح السباع يصانُ
وهو نوع من التماثيل يُهدى
بالأساطير روحه الشيطانُ
حطمي اليأس بالنضال وثوري
في مسار قوامه الشجعانُ
لا يرد الحقوق إلا نجيعٌ
ع يتلألأ كأنه الأرجوانُ
سلحي الشعب وامنحيه انطلاقًا
فبغير الشعوب لا يستعانُ
أيها اللاجئ المشرد ظلمًا
أيها النور أيها الإنسانُ
لا تضع حقدك الدفين رفيقي
حسرات يلوكها الوجدانُ
حوّل الحقد نقمةً وجحيمًا
يتلظى لهيبه الجذلانُ
كلما أطلق الفدائي نارًا
صاح في الأفق صوتها الرنانُ
منشدًا نغمة الخلاص ينادي:
ها أنا الشعب، ها أنا البركانُ
إنني اليوم عائد ودليلي
ضرباتي وزادي الإيمانُ
من خلال هذه القصيدة يتجلى بوضوح تأثر الشاعر بالفكر القومي العربي، وحضور قضية الأمة المركزية، القضية الفلسطينية، في وجدانه وشعره.
«في الجماهير تكمن المعجزات»
وعن قصيدته الشهيرة «في الجماهير تكمن المعجزات»، استعاد الشاعر أجواء تصاعد العمل الفدائي الفلسطيني في أواخر ستينيات القرن الماضي وبدايات السبعينيات، وما مثله ذلك من تحول في الوعي العربي من انتظار الحلول إلى الإيمان بالفعل الشعبي والمقاومة:
في الجماهير تكمن المعجزاتُ
ومن الظلم تولد الحرياتُ
ومن الشعب في فلسطين قامت
ثورة الفتح يفتديها الأباةُ
مكثت في النفوس عشرين عامًا
تتعاطى لهيبها الكلماتُ
ثم صارت على صعيد الليالي
ضرباتٍ تشدها ضرباتُ
ورصاصًا يجول قصفًا وضربًا
وتلاشى النحيب والزفراتُ
دير ياسين ما نسينا دمانا
في ربانا تدوسها النظراتُ
دير ياسين ما نسينا عظامًا
نسفتها الرياح والهبواتُ
جرحتنا مخالب الدهر يومًا
وتلاقى على ربانا الغزاةُ
واعتمدنا على سوانا زمانًا
وألهتنا الدموع والحسراتُ
غير أنا قد انتفضنا وثرنا
ثورة لا تردها الفتكاتُ
نحن شعب قد صلبته المآسي
سهرته الآلام والنكباتُ
نسكن النار لا نبالي لظاها
زادنا العزم والإبا والثباتُ
نتلقى الشهيد عزًا ونصرًا
والضحايا توديعهم حفلاتُ
ونغني للموت، بل ونراه
في سبيل الحياة هو الحياةُ
ونغني حتى الجراح تغني:
في الجماهير تكمن المعجزاتُ
لست ناقدًا أدبيًا ولا شاعرًا حتى أوفي شاعرنا الكبير حقه، وإنما هي خواطر في عجالة، أردت من خلالها أن أوظف هذه الزيارة لاستحضار جانب من تجربة رجل ثائر سبق زمانه بثاقب فكره، وظل وفيًا لقضايا وطنه وأمته. متعه الله بالصحة والعافية.
ومن ذاكرة شعره أيضًا تلك الأبيات التي حملت وجع لبنان وفلسطين:
عَرِّجْ بلبنانَ واذْرِ الدَّمْعَ مُنسجِمًا
وابكِ الهُمومَ ولا تَسْتَنْهِضِ الهِمَمَا
لو ينفع الأهلَ شكوى الأهلِ ما رحلت
كتائبُ الفتحِ تحدو الموجَ ملتطمًا
مهاجرون بأسيافٍ مهاجرةٍ
تحكي القلوبَ مضاءً والدماءَ دما
وهكذا، من «في الجماهير تكمن المعجزات» إلى «وعرّج بلبنان» و«الحقوق الضائعة» وغيرها، اختزل شعر أحمدو ولد عبد القادر مراحل من تاريخ الوطن والأمة، ورسخ مكانته في الذاكرة الثقافية الموريتانية والعربية.
دعوة إلى الحاصلين على جائزة شنقيط
من هنا، وباسم رئيس منتدى الحاصلين على جائزة شنقيط، الدكتور محمد ولد أحظانا Mouhamed H’dhana )، أتوجه بالدعوة إلى زملائي أعضاء المنتدى، من الحاصلين على جائزة شنقيط، إلى إيداع نسخ من مؤلفاتهم وإنتاجاتهم العلمية والفكرية والأدبية في مكتبة الشاعر أحمدو ولد عبد القادر، إسهامًا في إثراء رصيدها، وحفظًا للإنتاج العلمي والثقافي الوطني، ووضعه في متناول الباحثين والقراء والأجيال القادمة.
إن تكريم العلماء والمبدعين في حياتهم، وحفظ آثارهم وإنتاجهم، جزء من حفظ ذاكرة الوطن وصيانة هويته الثقافية.
فالمكتبات لا تحفظ الكتب فحسب، وإنما تحفظ ذاكرة الأوطان، وأثر علمائها ومفكريها ومبدعيها.
ويبقى صوت أحمدو ولد عبد القادر حاضرًا:
في الجماهير تكمن المعجزاتُ
ومن الظلم تولد الحرياتُ.
آفاق فكرية بحث، معرفة، تبادل ثقافي