من الإعانة إلى الإنتاج… لماذا لا تستفيد “تآزر” من تجربة خيرية أسنيم؟!/المرابط ولد محمد لخديم

  “لا تعطِني سمكة، بل علمني كيف أصطادها.”
هذه الحكمة الصينية تختصر الفرق بين المساعدة المؤقتة والتنمية المستدامة. فالأولى تعالج الحاجة ليوم أو شهر، أما الثانية فتبني الإنسان وتمكنه من الاعتماد على نفسه وإنتاج قوته بكرامة.
     وعندما نتأمل تجربة خيرية الشركة الوطنية للصناعة والمناجم (أسنيم)، نجد أنها جسدت هذا المبدأ على أرض الواقع. فمنذ تأسيسها سنة 2007، ثم إعلانها جمعية ذات منفعة عامة سنة 2012، استطاعت أن ترسخ نموذجًا تنمويًا متوازنًا، بدأ بخدمة المجتمعات الواقعة على امتداد خط السكة الحديدية بين نواذيبو وأزويرات، قبل أن يمتد إلى مناطق أخرى من الوطن.
      ولم تقتصر تدخلات الخيرية على تقديم المساعدات، بل شملت قطاعات التعليم والصحة والمياه والعمل الاجتماعي، فأنشأت المدارس والمراكز الصحية، ونظمت القوافل الطبية، ونفذت مشاريع مائية في المناطق الأكثر هشاشة، كما دعمت ذوي الاحتياجات الخاصة، والنساء معيلات الأسر، والتعاونيات، ومنظمات المجتمع المدني.
     وكان قطاع المياه أحد أبرز محاور نجاحها، حيث أنجزت عشرات الآبار الارتوازية في ولايات الشمال، من داخلت نواذيبو مرورًا بإنشيري وآدرار وصولًا إلى تيرس زمور وبئر أم كرين. وقد ساهمت هذه المشاريع في تعزيز الأمن المائي، ودعم النشاط الرعوي، وتحقيق قدر أكبر من الاستقرار في المناطق الحدودية.
      غير أن المشروع الأكثر تميزًا، في تقديري، هو مشروع المزارع النموذجية الذي أطلقه المدير العام السابق للخيرية، الدكتور محمد محمود ولد سدينا. فقد انطلقت فكرته من رؤية تنموية واضحة: تحويل المستفيد من متلقٍ للمساعدة إلى شريك في الإنتاج.
     ولهذا الغرض، أنشأت الخيرية مزارع نموذجية مجهزة بآبار ارتوازية في شوم وأفديرك وأزويرات، وتعاقدت مع شركة متخصصة للإشراف على الإنشاء والتأطير والتكوين، مع تنظيم تعاونيات نسوية وتدريبها على أساليب الزراعة الحديثة، إضافة إلى إشراك عدد من متقاعدي الشركة في هذه المشاريع.
      وقد زرت هذه المزارع خلال مهمة لصالح خيرية أسنيم، ووجدت أنها من أنجح النماذج الزراعية التي اطلعت عليها في ولايات الشمال، سواء من حيث التنظيم أو جودة الإنتاج أو حسن التسيير، حتى إنها تضاهي كثيرًا من المشاريع الزراعية الرائدة على المستوى الوطني.
      واليوم تستفيد منها بصورة مباشرة أكثر من 125 امرأة معيلة أسرة في شوم، ونحو 120 امرأة في أفديرك، إلى جانب أكثر من 80 متقاعدًا من الشركة، فضلاً عن آثارها الاقتصادية والاجتماعية غير المباشرة على سكان هذه المدن.
       ومن هنا يبرز سؤال مشروع: لماذا لا تستفيد المندوبية العامة للتضامن الوطني ومكافحة الإقصاء “تآزر” من هذه التجربة الناجحة؟
      فأهداف المؤسستين تتقاطع في محاربة الفقر وتعزيز التنمية المحلية، كما أن كثيرًا من المناطق التي تتدخل فيها “تآزر” تمتلك أراضي صالحة للزراعة يمكن استغلالها في مشاريع إنتاجية مماثلة.
     إن توجيه جزء من الأموال المخصصة للمساعدات النقدية نحو إنشاء مزارع نموذجية، مع توفير التأطير والتكوين والمواكبة، سيخلق مشاريع منتجة توفر الغذاء، وتخلق فرص عمل، وتمنح الأسر دخلًا مستدامًا، بدلاً من الاكتفاء بمساعدات تنتهي آثارها بمجرد نفادها.
     فالمرأة العاملة في هذه المشاريع لن تكون متلقية للمساعدة فحسب، بل ستكون منتجة وشريكة في التنمية؛ تزرع وتحصد، وتستهلك جزءًا من إنتاجها، وتبيع الفائض، وتحصل على دخل متجدد يحفظ كرامتها ويعزز استقلالها الاقتصادي.
     إن تجربة خيرية الشركة الوطنية للصناعة والمناجم (أسنيم) أثبتت أن الاستثمار في الإنسان المنتج أكثر جدوى من الاكتفاء بالدعم الاستهلاكي. ولذلك فإن نقل هذه التجربة، أو الاستفادة منها، يمكن أن يشكل نقلة نوعية في برامج “تآزر”، ويجعلها أكثر قدرة على تحقيق أهدافها في مكافحة الفقر وتعزيز الأمن الغذائي وترسيخ التنمية المستدامة.
    فالتنمية الحقيقية ليست في أن نمنح الناس ما يستهلكونه اليوم، بل في أن نتيح لهم الوسائل التي تمكنهم من الإنتاج غدًا… وهذا هو الدرس الذي تستحق تجربة خيرية أسنيم أن يُستلهم ويُعمم.

شاهد أيضاً

سلسلة مقالات حول الموسيقى الحسانية البظانية (المقال الأول)/ الدكتور محمد أحظانا

    الدكتور الباحث محمد ولد أحظانا دأب على اقتحام موضوعات جديدة ومعالجتها بمنهج علمي …