نصرة المصطفى صلى الله عليه وسلم: من المحبة إلى صناعة الوعي/المرابط ولد محمد لخديم

   جرت العادة، مع حلول ذكرى المولد النبوي الشريف، أن يتجدد النقاش حول مشروعية الاحتفال به، غير أن المقصود هنا ليس الخوض في هذه المسألة الفقهية، ولا ترجيح قول على آخر، وإنما الوقوف عند جانب آخر لا يقل أهمية، يتمثل في كيفية تحويل هذه المناسبة إلى فرصة لاستحضار سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم، وتجديد الصلة برسالته وأخلاقه، وتعريف العالم بشخصيته ورسالته.
   فالأعياد الشرعية ترتبط بشعائر مخصوصة، بينما يرى المحتفلون بالمولد فيه مناسبة لاستحضار مولد خير خلق الله، والتأمل في سيرته منذ مولده ونشأته، مروراً ببعثته ودعوته وتبليغه الرسالة، وما أحدثه من تحول عظيم في حياة الإنسان والمجتمع والتاريخ.
    ومن ثم، فإن الأهم هو ألا تبقى هذه الذكرى محصورة في المجالس التقليدية، بل أن تتحول إلى مناسبة لإحياء السيرة النبوية في الوعي العام، واستثمار مختلف وسائل العصر في التعريف برسول الله صلى الله عليه وسلم؛ من الإعلام والمنصات الرقمية، إلى الترجمة والوثائقيات والأفلام الهادفة، والكتب والدراسات والفنون.

الإعلام وصناعة الوعي
    لم يعد الإعلام في عصرنا مجرد وسيلة لنقل الأخبار، بل أصبح قوة مؤثرة في تشكيل الوعي والاتجاهات وصناعة الرأي العام. ولذلك فإن نصرة المصطفى صلى الله عليه وسلم في عصر المعلومات لا يمكن أن تعتمد على الوسائل التقليدية وحدها، بل تحتاج إلى حضور فاعل في فضاء المعرفة والإعلام الرقمي.
    لقد انتقل الإنسان، عبر مسيرته الحضارية، من عصر الرعي إلى الزراعة، ثم إلى الصناعة، وصولاً إلى عصر المعلومات والمعرفة، فأصبحت القدرة على إنتاج المعرفة وتداولها وتوظيفها من أهم عناصر القوة.
    وقد غيّر هذا التحول أنماط التفكير والتعليم والتواصل والسلوك والعلاقات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية. ومن هنا، فإن واجبنا أن نستثمر أدوات العصر في تقديم سيرة النبي صلى الله عليه وسلم إلى الإنسان المعاصر، بلغته، وبالوسائل التي يفهمها ويتفاعل معها.
ماذا كتب الآخرون عن رسول الإسلام؟
     من المهم أن نعيد النظر في ما كتبه غير المسلمين عن النبي صلى الله عليه وسلم، وأن نجمع هذه الشهادات ونحققها ونوثقها من مصادرها الأصلية، بدلاً من تداولها مجرد اقتباسات مجهولة المصدر على وسائل التواصل الاجتماعي.
    وقد نُسب إلى عدد من المفكرين والمؤرخين والمستشرقين، مثل غاندي، ولامارتين، ومونتجومري وات، وبوسورث سميث، ومايكل هارت، وتولستوي، وغوته، وتوماس كارليل وغيرهم، كلام في الإشادة بشخصية النبي صلى الله عليه وسلم وأخلاقه وتأثيره في التاريخ.
    غير أن المنهج العلمي يقتضي ألا نتعامل مع هذه الأقوال بالتسليم لمجرد شيوعها، بل ينبغي التحقق من صحة كل قول، ونسبته إلى صاحبه، وسياقه، ومصدره الأصلي، ثم تقديمه للناس بصورة موثقة.
    إن جمع هذه المادة وتصنيفها وتحقيقها وترجمتها إلى اللغات العالمية يمكن أن يتحول إلى مشروع معرفي عالمي، يسهم في التعريف بشخصية النبي صلى الله عليه وسلم بعيداً عن التشويه والاختزال، ويقدم صورته كما تناولها حتى بعض الباحثين والمؤرخين من خارج الدائرة الإسلامية.
أمة «اقرأ» التي لا تقرأ
     من المؤلم أن تتحول أمة «اقرأ» إلى أمة لا تقرأ ولا تنتج المعرفة بالقدر الذي يليق برسالتها وتاريخها. فالأمم لا تصنع التاريخ بالأماني، وإنما بالعلم والبحث والتوثيق والإنتاج الفكري والمعرفي.
     وقد أصبحنا، في كثير من الأحيان، مستهلكين لما ينتجه الآخرون من أفكار وعلوم وصور عن ديننا ونبينا وحضارتنا، بدلاً من أن نكون أصحاب المبادرة في إنتاج المعرفة وتقديم صورتنا إلى العالم.
     ومن هنا، فإن واجبنا لا يقتصر على الدفاع عن نبينا صلى الله عليه وسلم عند وقوع الإساءة، وإنما يتجاوز ذلك إلى صناعة معرفة رصينة ودائمة به، وتعريف العالم بمكانته في عقيدة المسلمين، وبأخلاقه ورحمته وعدله، بلغة عالمية عقلانية مؤثرة، قادرة على مخاطبة الإنسان المعاصر.
مكانة المصطفى صلى الله عليه وسلم في عقيدة المسلم
      إن الشهادة بأن محمداً رسول الله جزء من أصل الإيمان، ومحبة النبي صلى الله عليه وسلم ليست عاطفة عابرة، وإنما هي من مقتضيات الإيمان ولوازمه.
    وقد وصف الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم بأنه رحمة للعالمين، فقال:
﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾
(الأنبياء: 107).
وأثنى سبحانه على عظيم أخلاقه فقال:
﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾
(القلم: 4).
    ورفع الله ذكره، وأمر المؤمنين بالصلاة والسلام عليه، فقال جل وعلا:
   ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾
(الأحزاب: 56).
     كما وصفه سبحانه بشدة الرحمة والرأفة بالمؤمنين، فقال:
﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾
(التوبة: 128).
     وهكذا يظل حضور النبي صلى الله عليه وسلم في وجدان المسلم حضوراً متجدداً، بالصلاة والسلام عليه، واتباع سنته، واستحضار سيرته، والاقتداء بأخلاقه وتعاليمه.
ماذا قدم المصطفى؟ وماذا قدمنا نحن؟
     لقد أدى رسول الله صلى الله عليه وسلم الأمانة، وبلغ الرسالة، ونصح الأمة، ودعا إلى الله، وجاهد في سبيل هداية الإنسان، وترك للأمة القرآن الكريم والسنة النبوية، ومنظومة من القيم والأخلاق والتشريعات والمبادئ التي صنعت تحولاً عظيماً في حياة الإنسان، وامتد أثرها عبر القرون.
     أما نحن، فلا يكفي أن نقول إننا نحبه، ولا أن نغضب عندما يُساء إليه؛ بل ينبغي أن نحول هذه المحبة إلى عمل، وهذه العاطفة إلى معرفة، وهذه المعرفة إلى مشروع حضاري.
نحتاج إلى أن نكتب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بجميع لغات العالم، وأن نقدم سيرته للأجيال الجديدة بلغة العصر، وأن نواجه التشويه بالمعرفة، والجهل بالحجة، والإساءة بالإبداع، والانطباعات السطحية بالدراسات الموثقة.
   وقد أثبت الموريتانيون، عبر تاريخهم، أن حب المصطفى صلى الله عليه وسلم قادر على جمع القلوب وتوحيد الصفوف؛ فهم لا يستحضرون مولده فحسب، بل يستحضرون اسمه وسيرته، ويتبارون في مدحه، شعراً ونثراً، وبالأساليب الشعبية والفصيحة، في صورة تعكس رسوخ محبته في الوجدان الموريتاني.
     غير أن التحدي الأكبر يبقى في تحويل هذه المحبة إلى مشروع معرفي وحضاري دائم، يتجاوز المناسبة إلى صناعة أثر مستمر.
     لقد أدى رسول الله صلى الله عليه وسلم الأمانة، وبلغ الرسالة، ونصح الأمة، وترك لنا أعظم ميراث عرفته الإنسانية؛ فماذا قدمنا نحن لنصرته؟
     إن نصرة المصطفى صلى الله عليه وسلم ينبغي أن تنتقل من مجرد رد فعل مؤقت على الإساءة إلى مشروع حضاري دائم؛ مشروع يجعل من المحبة معرفة، ومن المعرفة عملاً، ومن العمل رسالة، ومن الرسالة جسراً يصل إلى العالم كله.
     فليست نصرة المصطفى صلى الله عليه وسلم أن نكثر الحديث عنه في مناسبة ثم نعود إلى حياتنا، وإنما أن نجعل سيرته حاضرة في علمنا وأخلاقنا وإنتاجنا وإعلامنا وثقافتنا،  وأن نعرّف به العالم كما عرفه أصحابه: رسول رحمة، وصاحب خلق عظيم، وداعياً إلى الله، ومعلماً للإنسان، وصانعاً لتحول حضاري ما زال أثره ممتداً في التاريخ.
https://youtu.be/TkCVaWxTF4k?si=pULlSntX8o3zi-Ov

شاهد أيضاً

كرة القدم… حين تتجاوز المستطيل الأخضر/المرابط ولد محمد لخديم

    عندما قرأت مقال الأستاذ الدكتور اسلكو أحمد ازيد بيه، عالم الرياضيات، الموسوم «كرة …