
في قلب الصحراء الموريتانية الشاسعة، لا يُعرّف البئر بمقاييس الهندسة المائية المجردة، بل يُترجم إلى نبض حياة يتنفس، وقطيع ينجو من أنياب الجفاف، وراعٍ يطوي مسافات الهلاك بحثاً عن قطرة ماء.
في هذا الفضاء المفتوح على السراب والرمال، سطرت «خيرية سنيم» ملحمة تنموية غير مسبوقة، أعادت من خلالها رسم الخريطة الهيدرولوجية لشمال البلاد. لقد تحولت ندرة المياه من قدر محتوم يكابده السكان والمنمون على امتداد آلاف الكيلومترات—من بولنوار شمالاً، مروراً بتازيازت وتيجيريت والنيش، وصولاً إلى إينال وأتميمشات وشوم وافديرك وأزويرات وبئر أم كرين—إلى قصة نجاح تتفجر من باطن الأرض، لتروي مساحات رعوية شاسعة طالما عانت من شح قاهر.
زمن القطار والماء المحمول في الصهاريج..
كانت قطرات الحياة تصل بشق الأنفس. كان الماء يُنقل عبر صهاريج عملاقة تجرها قاطرات قطار الشركة الوطنية للصناعة والمناجم، ليوزع على التجمعات السكنية المتناثرة على طول السكة الحديدية أو ما يُعرف محلياً بـ«الرواق».
ورغم أن هذا الحل التدخلي مثّل شريان حياة لسنوات طويلة في بيئة تضنّ بمائها، إلا أن تحديات الاستدامة، وتصاعد الكثافة السكانية، والضغط المتزايد على الحوض المائي في بولنوار، فضلاً عن الكلفة الباهظة للنقل، جعلت حتمية التفكير في بدائل أخرى؟!
من رحم هذه المعضلة، انطلقت أضخم حملات البحث والتنقيب الجيوفيزيائي. وبتوجيه من الإدارة العامة لشركة «سنيم» واستجابة لطلب الذراع الاجتماعي «الخيرية»، خاض خبراء وفنيو مصلحة الجيوفيزياء (D.R.G) التابعة لقطاع البحث الجيولوجي بإدارة البحث والتنوع (D.R.D) غمار تحدٍ علمي وميداني استثنائي. توجهت الفرق نحو تضاريس بالغة التعقيد في تازيازت وتيجيريت، باحثة في أعماق مواقع قاسية مثل أشكران، النيش بوخزانة، بودركة، بركني، وآجواييط. لم تكن العملية مشجعة في بداياتها؛ إذ أسفرت نصف عمليات الحفر الاستكشافي عن نتائج سلبية. لكن الإرادة الفولاذية لم تنكسر أمام جفاف الصخر. فمن أصل 21 بئراً استكشافياً «صونداجاً»، تكللت الجهود بالوصول إلى أحواض مائية غنية، لتولد آبار أشكران 1 و2، وبودركة 1 و2، وآجواييط، وبئر «عكلة لكويدسات» في تازيازت، محولة السراب إلى حقيقة ملموسة.
من تيجيريت إلى أقاصي تيرس زمور..
لم يقتصر طموح المشروع على مناطق محددة، بل تمددت شرايين المياه لتغطي ولايات آدرار وتيرس زمور بطفرة من الإنجازات المتتالية. في آدرار، تفجرت المياه في كرارت سالم، شوم المدينة، وادي شوم، بئر شار، بئر بوكيات، وبئر شماد. وتصاعدت وتيرة الحفر في تيرس زمور لتغيث مناطق افديرك، تازاديت، العوج، أمارشن، أم ظفيرات، وبئر أم كرين. هذا التوسع الجغرافي المهول غطى أربع ولايات كاملة (داخلت نواذيبو، إنشيري، آدرار، تيرس زمور)، خالقاً شبكة من نقاط ارتكاز الحياة في بيئة بدوية رعوية لطالما حكمت عليها الجغرافيا بالعزلة.
دليل المياه ذاكرة 63 بئراً تروي الصحراء.
ولأن الإنجازات العظيمة تتطلب توثيقاً يحميها من النسيان، جاء «دليل المياه لخيرية سنيم» ليكون السجل العلمي والتاريخي لهذه الملحمة. لم يكن هذا الدليل مجرد جرد مكتبي، بل ثمرة 21 يوماً من العمل الميداني الشاق والمضني. جابت الفرق الفنية محور داخلت نواذيبو، «الرواق»، وتيرس زمور، لتوثيق وتحليل المعطيات الفنية والجغرافية لـ 63 بئراً ارتوازياً.
شملت المرحلة الأولى بلديات إينال وأتميمشات في تازيازت وتيجيريت، بينما ركزت المرحلة الثانية على آدرار (شوم) وتيرس زمور (افديرك، أزويرات، بئر أم كرين)، ليخرج الدليل كقاعدة بيانات مرجعية تضع بين يدي الباحثين وصناع القرار تفاصيل دقيقة عن كل قطرة ماء استُخرجت.
إن الرقم 63 بئراً لا يختزل مجرد منشآت خرسانية ومضخات غاطسة، بل يمثل ثورة ديموغرافية واقتصادية صامتة. البئر في العرف الصحراوي هو نواة للاستقرار؛ فهو يقلص تكلفة المعيشة، ويوفر عناء الترحال المهلك، ويحيي المراعي المهجورة. بفضل هذه الآبار، لم يعد المنمي يخشى هلاك ماشيته، ولم يعد البدوي مرتحلاً أبدياً خلف السحب. تحولت نقاط المياه إلى حواضر مصغرة تضج بالحركة، وتثبت السكان في أراضيهم، مانحة قطاع التنمية الحيوانية فرصاً هائلة للنمو والتمدد في مساحات كانت محرمة بفعل العطش.
خريطة جديدة لوطن يطوي صفحات الجفاف
اليوم، ومع تصفح «دليل المياه لخيرية سنيم»، يقرأ الموريتانيون قصة جيل من الفنيين والعمال تحدوا قسوة المناخ وصلابة الصخور ليصنعوا الفارق.
خلف كل بيانات الآبار وأعماقها، تكمن حكايات قوافل كانت تائهة فاهتدت، ومراعٍ كانت جرداء فاخضرت.
من بولنوار إلى بئر أم كرين، لم تعد جغرافيا الشمال الموريتاني تُعرّف بندرة مياهها، بل بإرادة إنسانها الذي استطاع، عبر التخطيط الاستراتيجي والعمل الدؤوب، أن يمحو العطش من قاموس يومياته، ليؤسس لمرحلة تنموية جديدة تتنفس فيها الصحراء حياةً ونماءً واستقراراً.
الدليل لا يكتفي بإحصاء الآبار، وإنما يجمع البيانات الفنية والجغرافية المتعلقة بالمشاريع المائية التي أنجزتها الخيرية، ليحول تجربة متناثرة على امتداد الصحراء إلى سجل يمكن الرجوع إليه.
من بولنوار ( داخلت أنواذيبواإلى بئر أم كرين ( تيرس زمور)، ومن العطش إلى الماء، تبدو خريطة الشمال الموريتاني اليوم أكثر امتلاءً بنقاط الحياة.
ولمزيد من التفاصيل حول مواقع الآبار ومعطياتها الفنية والجغرافية، يمكن الرجوع إلى مواد «دليل المياه لخيرية الشركة الوطنية للصناعة والمناجم (أسنيم) من خلال الفهرس.
آفاق فكرية بحث، معرفة، تبادل ثقافي