مع إشراقة يوم الأربعاء 12 ربيع الأول 1448هـ، الموافق 26 أغسطس 2026م، تحل علينا ذكرى المولد النبوي الشريف، فتتجدد معها مشاعر المحبة لرسول الله ﷺ، وتتجدد كذلك النقاشات حول مشروعية الاحتفال بهذه الذكرى.
وكالعادة، ترتفع أصوات من بعض المنابر والشاشات تنكر الاحتفال بالمولد، مستندة إلى أن الإسلام لا يعرف من الأعياد الشرعية إلا عيد الفطر وعيد الأضحى. وهذا رأي له وجاهته من زاوية النظر الفقهي إلى مفهوم العيد وشعائره، غير أن الاحتفال بالمولد يمكن النظر إليه من زاوية أخرى، باعتباره مناسبة استذكارية وثقافية وروحية، لا شعيرة تعبدية مستقلة ولا عيداً شرعياً بالمعنى الفقهي.
فالغاية من هذه المناسبة، في جوهرها، هي استحضار سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم، والتعريف بنشأته، والتأمل في مسيرته، واستحضار ما تحمله من مشاق وتضحيات في سبيل إخراج البشرية من ظلمات الجهل والضلال إلى نور الهداية والإيمان على حد تعبير أمير الشعراء أحمد شوقي:
أتيتَ والنّاسُ فوضى لا تمرُّ بهم
إلّا على صنمٍ قد هامَ في صنمِ
والأرضُ مملوءةٌ جوراً مُسخَّرةٌ
لكلِّ طاغيةٍ في الخَلْقِ محتكِمِ
مسيطِرُ الفُرسِ يبغي في رعيّتِه
وقيصرُ الرومِ من كِبْرٍ أصمُّ عَمِ
والخَلْقُ يفتك أقواهم بأضعفِهم
كالليثِ بالبَهْمِ أو كالحوتِ بالبَلَمِ
كما عبر شوقي عن عظمة ميلاد المصطفى صلى الله عليه وسلم في ميميته الشهيرة:
.دوُلِدَ الهُدى فَالكائِناتُ ضِياءُ ** وَفَمُ الزَمانِ تَبَسُّمٌ وَثَناءُ
الروحُ وَالمَلَأُ المَلائِكُ حَولَهُ ** لِلدينِ وَالدُنيا بِهِ بُشرَاءُ
يا خَيرَ مَن جاءَ الوُجودَ تَحِيَّةً ** مِن مُرسَلينَ إِلى الهُدى بِكَ جاؤوا
يَومٌ يَتيهُ عَلى الزَمانِ صَباحُهُ ** وَمَساؤُهُ بِمُحَمَّدٍ وَضّاءُ
حاجة الروح في عالم طغت عليه الماديات
وبعيداً عن الجدل الفقهي حول المولد، والذي نميل فيه إلى القول بمشروعية الاحتفال به، بل باستحبابه إذا كان وسيلة إلى الخير والتعريف بسيرة النبي صلى الله عليه وسلم، فإن واقعنا المعاصر يجعلنا في أمسّ الحاجة إلى مثل هذه المناسبات.
ففي عالم تتسع فيه هيمنة المادة، وتزداد فيه النزعة الاستهلاكية، تحتاج الأجيال إلى ما يربطها بقيمها الروحية وبنبيها الكريم صلى الله عليه وسلم ذلك الرسول الخاتم الذي نعرف مقامه الشريف في المدينة المنورة، والذي ترك أمته على المحجة البيضاء، مستمسكة بوحي محفوظ لم تنل منه يد التحريف.
فالقرآن الكريم الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم ما يزال يتلى منذ أكثر من أربعة عشر قرناً، غضاً طرياً، مصداقاً لوعد الله تعالى:
﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾
[الحجر: 9]
وقال سبحانه:
﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ ۖ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾
[فصلت: 42]
وهذه الحقيقة تجعل استحضار شخصية الرسول صلى الله عليه وسلم ورسالته وسيرته عملاً يتجاوز مجرد الذكرى إلى بناء الوعي، وتجديد الصلة بالرسالة التي حملها.
نبيٌّ صنعته التضحية والصبر
إننا حين نستحضر مولد النبي صلى الله عليه وسلم لا نحتفي بمجرد تاريخ، وإنما نستحضر مسيرة رجل بذل الغالي والنفيس، وتحمل صنوف الأذى والمحن من أجل إنقاذ الإنسان من الضلال.
ففي مكة وقف ثابتاً أمام ضغوط قريش ومساوماتها، ولم يتراجع عن دعوته، وجاء في الرواية المشهورة عن موقفه أمام عمه أبي طالب:
«يا عم، والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ما تركته…»
ثم جاء الحصار في شعب أبي طالب، فكان الصبر على ثلاث سنوات من الشدة والجوع، ثم جاء عام الحزن بفقد خديجة رضي الله عنها وعمه أبي طالب، ومع ذلك لم تنكسر عزيمته ولم يتخل عن رسالته.
وحين خرج إلى الطائف، قابله أهلها بالأذى، حتى رُمي بالحجارة وأدميت قدماه الشريفتان. ومع ذلك لم يكن ردّه دعاءً بالانتقام، بل كان يحمل في قلبه الرحمة والأمل في هداية الناس.
وهكذا جسّد قول الله تعالى:
﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾
[التوبة: 128]
أخلاق التسامح عند لحظة الانتصار
ولعل أعظم ما يكشف عظمة النبي صلى الله عليه وسلم أن أخلاقه لم تتغير حين انتقل من موقع المستضعف إلى موقع المنتصر.
فحين دخل مكة فاتحاً، كان بين يديه أولئك الذين آذوه، وحاربوه، وأخرجوه من وطنه، وقتلوا أصحابه، وحاولوا القضاء على دعوته.
كان بإمكان المنتصر أن ينتقم، لكنه اختار العفو.
سألهم: «ماذا تظنون أني فاعل بكم؟» فقالوا: «أخ كريم وابن أخ كريم». فجاءت كلمته التي اختصرت مدرسة كاملة في التسامح: «اذهبوا فأنتم الطلقاء».
وهنا تتجلى روح النبوة في أسمى صورها، وتتلاقى مع موقف يوسف عليه السلام حين قال لإخوته:
﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ ۖ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ ۖ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾
[يوسف: 92]
فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يكن عظيماً في عبادته ورسالته فحسب، بل كان عظيماً في رحمته، وصبره، وتسامحه، وسمو أخلاقه.
جمال الخَلْق وكمال الخُلُق
ولم تكن عظمة المصطفى صلى الله عليه وسلم في رسالته ومواقفه وحدها، بل اجتمع فيه جمال الخِلقة وكمال الخُلُق.
وقد نقلت أم معبد الخزاعية وصفاً بديعاً له حين رأته في طريق الهجرة، فقالت: «رأيت رجلا ظَاهِرُ الْوَضَاءَةِ أَبْلَجُ الْوَجْهِ حَسَنُ الْخُلُقِ لَمْ تَعِبْهُ ثُجْلَةٌ وَلَمْ تُزْرِ بِهِ صعْلَةٌ وَسِيمٌ قَسِيمٌ فِي عَيْنَيْهِ دَعَجٌ وَفِي أَشْفَارِهِ وَطَفٌ وَفِي صوَتِهِ صَحَلٌ وَفِي عُنُقِهِ سَطَعٌ. وَفِي لِحْيَتِهِ كَثَاثَةٌ أَحْوَرُ أَكْحَلُ أَزَجّ أَقْرَنُ شَدِيدُ سَوَادِ الشّعْرِ إذَا صَمَتَ عَلاهُ الْوَقَارُ وَإِذَا تَكَلّمَ عَلاهُ الْبَهَاءُ أَجْمَلُ النّاسِ وَأَبْهَاهُ مِنْ بَعِيدٍ وَأَحْسَنُهُ وَأَحْلاهُ مِنْ قَرِيبٍ. حُلْوُ الْمَنْطِقِ. فصل لا نَزْرٌ ولا هَذَرٌ كَأَنّ مَنْطِقَهُ خَرَزَاتُ نَظْمٍ يَنحدرنَ، رَبْعَةٌ لا تَقْتَحِمُهُ عَيْنٌ مِنْ قِصَرٍ ولا تَشْنَؤُهُ مِنْ طُولٍ. غُصْنٌ بَيْنَ غُصْنَيْنِ فَهُوَ أَنْضَرُ الثلاثَةِ مَنْظَرًا، وَأَحْسَنُهُمْ قَدًا. لَهُ رُفَقَاءُ يَحُفّونَ بِهِ. إن قَالَ اسْتَمَعُوا لِقَوْلِهِ. وَإن أَمَرَ تَبَادَرُوا إلَى أَمْرِهِ مَحْفُودٌ مَحْشُودٌ. لا عَابِسٌ وَلا مُفْنِدٌ”.»، في وصف يجمع بين بهاء الصورة وجمال السمت ووقار الشخصية.
وهذا بعض ما جعل محبة النبي صلى الله عليه وسلم مستقرة في وجدان المسلمين عبر القرون؛ محبة لا تقوم على مجرد العاطفة، وإنما على معرفة شخصيته، والتأمل في سيرته، والاقتداء بأخلاقه.
ألا يستحق هذا النبي منا احتفاءً؟
وأمام هذه السيرة العظيمة، يحق لنا أن نتساءل: ألا يستحق هذا النبي الكريم منا أن نستحضر سيرته ونعرّف الأجيال به ونحتفي بذكراه؟
إن الاحتفاء الحقيقي بالمولد لا ينبغي أن يقتصر على مظاهر احتفالية عابرة، وإنما ينبغي أن يتحول إلى مشروع للتعريف بالمصطفى صلى الله عليه وسلم، ودراسة سيرته، وترسيخ أخلاقه، وتعليم الأجيال معنى الرحمة والتسامح والصبر والعدل.
وهنا يصبح المولد مناسبة لإعادة اكتشاف النبي صلى الله عليه وسلم، لا مجرد تكرار الحديث عنه.
المولد في الوجدان الشنقيطي
وفي موريتانيا، لم يكن الاحتفاء بالمولد النبوي مجرد مناسبة عابرة، بل تحول عبر التاريخ إلى حالة ثقافية وروحية متجذرة في وجدان المجتمع.
فمن التسمية بأسماء النبي صلى الله عليه وسلم وجعلها مناسبة يحتفل بها مثل ميلاده وأصحابه وآل بيته، إلى مجالس السيرة والمديح النبوي، ظل حب المصطفى حاضراً في الحياة الاجتماعية والثقافية، وتفنن الشعراء في التعبير عنه بالفصحى والحسانية.
ومن جميل ما يردده أهل هذه البلاد قول الشاعر:
حُبُّ طه يُستطابُ ** حبَّذا ذاكَ الجنابُ
فهو ذُخرٌ للبرايا ** وهو للخيراتِ بابُ
وهو أمنٌ وأمانٌ ** وطعامٌ وشرابُ
وهو درٌّ وهو كنزٌ ** وهو لبٌّ ولُبابُ
إنَّ أرضاً ليس فيها ** حبُّ طه ليَبابُ
وقلوباً ليس فيها ** حبُّ طه لخَرابُ
وهكذا يظل حب المصطفى ﷺ جزءاً أصيلاً من الذاكرة الروحية والثقافية للموريتانيين، يتوارثه الأبناء عن الآباء، وتحفظه القصائد والمدائح والمجالس.
المولد: ذكرى تُحيي المعنى
لسنا بحاجة إلى أن نجعل المولد مناسبة للخصومة أو الانقسام، بل يمكن أن نجعله فرصة للاتفاق على ما لا يختلف عليه المسلمون: محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعرفة سيرته، وتعظيم مقامه، والاقتداء بأخلاقه، والتعريف برسالته للإنسو انية.
فإذا كان بعض الناس ينظرون إلى المولد من زاوية فقهية تتعلق بمفهوم العيد، فإن آخرين ينظرون إليه بوصفه مناسبة لاستحضار السيرة وتجديد الصلة بالنبي صلى الله عليه وسلم وبين الرأيين يمكن أن يبقى الحوار هادئاً، بعيداً عن التبديع والتشدد في الخصومة.
إن أعظم احتفاء بالمصطفى صلى الله عليه وسلم ليس في كثرة الكلمات، ولا في زخرفة المجالس، وإنما في أن تتحول محبته إلى سلوك، وسيرته إلى منهج، وأخلاقه إلى واقع.
فصلوا عليه وسلموا تسليماً.
ويمكن لمن أراد أن يستمع إلى إحدى المدائح الشنقيطية التي تعبّر عن هذا الحب المتجذر للمصطفى صلى الله عليه وسلم أن يستمع إلى أداء نص «حب طه يُستطاب»، بما يحمله من عاطفة صادقة وذاكرة شعرية موريتانية أصيلة.
https://youtu.be/4ZcK3H7mU90?si=4PAcvioLMVJEGYg9
آفاق فكرية بحث، معرفة، تبادل ثقافي