
اطلعتُ مؤخرًا على رسالة للسفير الموريتاني الراحل محمد فاضل ولد الداه، الأمين العام السابق لجائزة شنقيط، وجّهها إلى الكاتب المصري سلامة أحمد سلامة، ردًّا على عبارة نشرتها صحيفة «الأهرام» اعتُبرت انتقاصًا من موريتانيا. وقد جسّدت الرسالة نموذجًا للدبلوماسية الراقية التي تجمع بين الحزم في الدفاع عن كرامة الوطن، والاعتزاز بتاريخه وحضارته، والحرص على الأخوة العربية، دون إساءة أو تجريح.
أكد السفير أن مكانة مصر لا تحتاج إلى الانتقاص من شأن أشقائها، مستعرضًا إسهامات موريتانيا التاريخية والعلمية، من دور المرابطين في الأندلس إلى نشر الإسلام واللغة العربية، وإسهامات علمائها في الأزهر الشريف، ومواقفها الداعمة للقضايا العربية.
ولم يكن هذا الموقف معزولًا؛ فقد سبقه موقف مماثل للسفير الموريتاني سيد أحمد ولد الدي، الذي ردّ في ثمانينيات القرن الماضي على تصريحات للسفير الفلسطيني الأسبق في القاهرة جمال الصوراني، اعتُبرت انتقاصًا من موريتانيا. وجاء رده في رسالة منشورة بصحيفة «الشعب»، العدد 2463، بتاريخ 31 مارس 1988، جامعًا بين قوة الحجة والاعتزاز بالانتماء الوطني.
وتعيدني هذه المواقف إلى ما رواه الدكتور حماه الله السالم عن المؤرخ الشنافي محمد مولود ولد داداه، رحمه الله، أثناء إعداد المرافعة الموريتانية أمام محكمة لاهاي للدفاع عن «أتراب أهل الخيام». فقد طلب من اعلي ولد علاف، رحمه الله، تحديد المواضع التي بلغ إليها نفوذ خيل إمارة يحي بن عثمان، “نعّتْ لِ اعل الخريطة بل امْنينْ تلْحگ خيلْ احْيَ بنْ عثمان وابْرَ امْن اعگابْ لخْبارْ”؛ ليستند إلى تلك المعلومات في بناء مرافعته.
تكشف هذه الواقعة أهمية التوثيق الدقيق في الدفاع عن الحقوق التاريخية، وتلفت الانتباه إلى الحاجة إلى مزيد من البحث في تاريخ إمارة آدرار، ومراجعة ما كُتب عنها في المصادر الاستعمارية وغيرها، لاستكمال جوانب تاريخها وتصحيح ما قد يكون علق به من صور غير دقيقة.
وتزداد أهمية هذا العمل في ظل ما يُثار بشأن لكويرة والعلاقة بين المطالبات الإقليمية والمراجع التاريخية، بما في ذلك المعاهدة الموقعة بين إمارة آدرار وإسبانيا سنة 1886. فمثل هذه القضايا تستدعي العودة إلى الوثائق الأصلية والتحقيق التاريخي المتخصص، بعيدًا عن الاكتفاء بالروايات المتداولة أو الاستنتاجات غير الموثقة.
وفي السياق نفسه، كتب الشيخ معاذ سيدي عبد الله عن مواقف تؤكد أن الدفاع عن الوطن لم يكن حكرًا على السياسيين والدبلوماسيين. فعندما انتقص بعضهم من شأن المرأة الموريتانية، انصرف المختار ولد حامدون إلى تأليف موسوعته عن حياة موريتانيا، فيما واجه ابن الأمين حملات التشكيك في الثقافة الشنقيطية بكتابه «الوسيط في تراجم أدباء شنقيط».
والجامع بين هذه النماذج أن الثقافة لا تكتمل قيمتها بالمعرفة وحدها، بل بما تؤديه من دور في الدفاع عن الوطن، وصيانة كرامة شعبه، وتصحيح الصور المغلوطة عنه. وكما تساءل الشيخ معاذ: «ما قيمة الثقافة إذا لم يردّ بها المرء عن وطنه وشعبه؟».
من هنا، يصبح من المشروع التساؤل عن حصيلة عقود من العمل الدبلوماسي الموريتاني، ومدى ما حققته السفارات والممثليات في الخارج من نتائج تتناسب مع الموارد التي تخصصها الدولة لها. فالسفارة ليست مجرد مقر للإقامة والامتيازات، والسفير ليس موظفًا يؤدي مهام بروتوكولية فحسب؛ بل هو ممثل لوطنه، ومسؤول عن الدفاع عن مصالحه، والتعريف بتاريخه وثقافته، وصيانة كرامة مواطنيه، وبناء علاقات تقوم على الاحترام المتبادل.
ومع ما بُذل من موارد على مدى عقود، يظل من الضروري تقييم أداء مؤسساتنا الدبلوماسية في التعريف بموريتانيا وإرثها العلمي والحضاري، ومدى قدرتها على مواجهة الصور النمطية والمعلومات المغلوطة التي تظهر أحيانًا في بعض المنابر العربية والدولية.
وقد وثّق الشعر الحساني، في بعض نماذجه، معاناة طلاب موريتانيين من صعوبات في التعامل مع سفارات بلادهم. ومن ذلك حكاية متداولة عن تغيير موعد استقبال الطلاب من يوم الاثنين إلى الخميس، في وقت كان بعضهم يستعد للسفر إلى الوطن خلال العطلة الصيفية، ما دفع أحدهم إلى التعبير عن معاناتهم بأبيات ساخرة:
يلگ كَانٌ الطلًاب ** كَلٌ أثٌنين أُذَ طَابٌ
أعليه أولا ينصاب **عن ملگاه أفلثنين
ذا السفير أو ينهاب ** أفست أيام أخرين
غير إبان أراعيه ** أتاليل مسكين
يتخاف عاد أعليه ** لخميس أمع لثنين.
ولا يُقصد من استحضار هذه الوقائع التعميم على جميع السفراء، ففيهم من أدى واجبه بإخلاص وترك أثرًا مشرفًا، وإنما التأكيد أن التمثيل الدبلوماسي مسؤولية، وأن تقييم الأداء ينبغي أن يستند إلى النتائج، وجودة الخدمات، وحماية مصالح المواطنين، لا إلى المناصب والامتيازات وحدها.
لكن الدفاع عن صورة الوطن لا يقع على عاتق الدبلوماسيين وحدهم. فموريتانيا تملك إرثًا علميًا وثقافيًا عريقًا، أسهم علماؤها ومؤلفوها في نشر المعرفة داخل البلاد وخارجها. والسؤال الذي يفرض نفسه هو: إلى أي مدى تستثمر الدولة في هذه الثروة البشرية، وتدعم الباحثين والمثقفين والمؤلفين، وتتيح لأعمالهم الوصول إلى الجامعات والمؤسسات الثقافية في العالم؟
إن التحدي لا يكمن في غياب العقول، بل في الحاجة إلى مؤسسات أكثر فاعلية لدعم التأليف والنشر والترجمة والبحث العلمي، وتوفير التمويل والتوزيع والتوثيق، وربط نتائج الدراسات بصناعة القرار، خصوصًا في مجالات التعليم والصحة والتنمية.
لقد منح العلم موريتانيا حضورًا تجاوز إمكاناتها المادية، لكن الحفاظ على هذا الحضور وتطويره يتطلبان مشروعًا مؤسسيًا يحوّل الإرث الثقافي إلى قوة ناعمة، ويمنح الكتاب والباحث والمثقف فرصة الإسهام في بناء الحاضر وصناعة المستقبل.
فالنهوض الثقافي لا يتحقق باستعادة أمجاد الماضي وحدها، بل بصناعة أمجاد جديدة. والسفراء الحقيقيون ليسوا فقط من يمثلون الوطن في الخارج، وإنما أيضًا من يدافعون عن كرامته بالحجة، ويعرّفون بتاريخه وحضارته، ويوثقون حقوقه وإسهاماته، ويتركون بعد رحيلهم أثرًا مكتوبًا يشهد على إخلاصهم ووعيهم برسالتهم الوطنية.
آفاق فكرية بحث، معرفة، تبادل ثقافي