
أثارت التصريحات المتتالية لكل من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الذي ادعى أن الإسلام يمر بأزمة وبرر الرسوم المسيئة للنبي صلى الله عليه وسلم، ودونالد ترامب الذي سخر من الانتشار الواسع لاسم “محمد”، غضباً واستياءً واسعاً. وتدفعنا هذه المواقف لطرح تساؤل جوهري: هل الإسلام هو من يعيش الأزمة، أم أن هؤلاء الساسة يعانون أزمة خطاب سياسي يتخذ من الإساءة لمقدسات الآخرين سُلّماً لكسب الأصوات والشعبية؟
اعتبر ماكرون نشر الرسوم المسيئة للنبي صلى الله عليه وسلم جزءًا من حرية التعبير، وهو موقف رفضه شيخ الأزهر، مؤكدًا أن الإساءة إلى النبي الكريم مرفوضة شكلًا ومضمونًا، ومعلنًا الاستعداد لملاحقة المسيئين عبر المحاكم الدولية. كما رفض وصف الإرهاب بالإسلامي، لما يحمله من تعميم مجحف وإساءة إلى المسلمين.
وأثبتت حملات مقاطعة المنتجات الفرنسية أن الإساءة إلى مقدسات المسلمين ليست أمرًا عابرًا، وأن الشعوب قادرة على التعبير عن رفضها بوسائل سلمية واقتصادية مؤثرة. كما أعادت هذه الأحداث النقاش حول حدود حرية التعبير وضرورة احترام المعتقدات الدينية.
ومع ذلك، فإن النبي صلى الله عليه وسلم ليس في حاجة إلى نصرتنا حتى ينتصر دينه؛ فقد نصره الله حين كان مهاجرًا مطاردًا، ولم يكن معه إلا أبو بكر الصديق رضي الله عنه:
﴿إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ﴾ [التوبة: 40].
وقال سبحانه:
﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشرح: 4].
فلا يُذكر الله في الشهادة والأذان والإقامة إلا ويُذكر معه رسوله صلى الله عليه وسلم، وقد رفع الله قدره وأعلى ذكره، وجعل محبته وتعظيمه جزءًا من إيمان المسلمين.
من الذي يعيش الأزمة؟
منذ تصريحات ماكرون عن أن الإسلام يعيش أزمة، تواجه فرنسا أزمات سياسية واجتماعية متلاحقة، وسط انتقادات واسعة لأدائه، واتهامات له بإعادة البلاد إلى الوراء، وصولًا إلى عجز الدولة عن احتواء احتجاجات طلابية. وهذا يطرح سؤالًا مشروعًا: كيف يصف رئيس دولة دينًا يتبعه مئات الملايين بأنه يعيش أزمة، بينما تغرق بلاده في الانقسامات والاضطرابات؟
إن المناصب السياسية زائلة، والزعماء يرحلون، بينما تبقى الأديان والأفكار التي تجد طريقها إلى قلوب الناس وعقولهم. ويبدو أن بعض السياسيين يضحون بالاعتبارات الأخلاقية لإرضاء قواعدهم الانتخابية، حتى تصبح المقدسات وسيلة لاستمالة الناخبين!!
ومع تصريحات ترامب الساخرة بشأن اسم «محمد»، يتجدد السؤال: أهي أزمة الإسلام، أم أزمة خطاب سياسي يسعى إلى كسب الشعبية عبر السخرية من معتقدات الآخرين؟
وإنني على يقين بأن ترامب سيواجه مصيرًا مشابهًا لما واجهه ماكرون، بل إن الحرب التي يخوضها باتت تلقي بظلالها على العالم، وتفاقم أزمة الطاقة. والمفارقة أن الرجلين، اللذين أساءا إلى الجناب النبوي الشريف، تبادلا الاتهامات بشأن اندلاع ثورة الطلاب في فرنسا، في مشهد يكشف تناقض الخطاب السياسي وعجزه عن التنصل من تبعات الأزمات.
وستكشف الأيام أن الإساءة إلى الأديان ورموزها ليست طريقًا مضمونًا إلى الشعبية، بل قد تتحول إلى سبب في تراجعها وفقدان ثقة الشعوب.
ان مكانة النبي صلى الله عليه وسلم لا تتأثر بتصريحات هذا الرئيس أو ذاك، بل قد تزيد هذه الإساءات المسلمين تمسكًا بنبيهم، مع بقاء مسؤوليتهم في التعريف برسالته والدفاع عن صورته الحقيقية.
محمد صلى الله عليه وسلم في وجدان المسلمين:
لا يدرك بعض السياسيين الغربيين أن مكانة النبي صلى الله عليه وسلم ليست عاطفة عابرة، بل جزء من عقيدة المسلم وعبادته وهويته؛ فلا يدخل المرء الإسلام إلا بالشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله.
وقد بعثه الله رحمة للعالمين:
﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107].
ووصفه بقوله:
﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: 4].
كما قال:
﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: 128].
ويذكره المسلم في صلاته وتشهدِه، ويصلي عليه في أذكاره، ويرجو شفاعته يوم القيامة. وقد ثبت في الصحيحين أنه ادّخر دعوته المستجابة شفاعةً لأمته، ومن خصائصه عموم رسالته إلى الناس، ونصره بالرعب، وإعطاؤه الشفاعة.
لذلك لا يمكن اختزال مكانته في اسم شائع أو رسم ساخر أو تصريح سياسي عابر؛ فهو حاضر في عقيدة المسلمين وعبادتهم ووجدانهم.
واجبنا تجاه نبينا صلى الله عليه وسلم:
لا يقتصر واجبنا على الغضب من تصريحات المسيئين، بل يشمل التعريف برسالة النبي صلى الله عليه وسلم، وإبراز أخلاقه وسيرته، ونشر ما تمثله من رحمة وعدل وحكمة، ومواجهة الإساءة بالحجة والبيان والوسائل القانونية والسلمية.
فالإساءة لا تُواجَه بإساءة مماثلة، وإنما بالعلم والأخلاق والعمل الواعي، وإظهار الصورة الحقيقية للإسلام ورسوله الكريم. ومن يظنون أن السخرية قادرة على إطفاء نور الإسلام، يكفيهم قول الله تعالى:
﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [التوبة: 32].
إن الإسلام لا يحتاج إلى شهادة من ماكرون أو ترامب، كما أن قدر النبي صلى الله عليه وسلم لا ترفعه تصريحات السياسيين ولا تخفضه إساءاتهم. مسؤوليتنا أن نتمسك برسالته، ونتخلق بأخلاقه، ونعرف العالم به بالحكمة والحجة والعمل.
لئن فاتني شرف صحبته صلى الله عليه وسلم، فلن يفوتني شرف نصرته بالقلم والبيان. وأسأل الله أن يرزقني محبته واتباع سنته، وأن يشملني بشفاعته يوم القيامة.
اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
آفاق فكرية بحث، معرفة، تبادل ثقافي