من الساحة الوطنية إلى آفاق النشر والترجمة الدولية/المرابط ولد محمد لخديم


     في خضم ما تشهده الساحة اليوم من تجاذبات وانشغال بقضايا الداخل والخارج، وما يرافق ذلك من تلميع للأشخاص أو سعي وراء المنافع، اخترتُ أن أبقى وفياً لمساري. لستُ مدوناً بالمعنى الاستهلاكي الرائج، بل كاتب ومؤلف جعل من الكلمة والنشر مهنة ورسالة منذ عودتي إلى أرض الوطن من بلاد الشام قبل قرابة عقدين من الزمن.
     بدأتُ رحلتي عبر الصحافة الورقية، ونشرتُ نتاجي في منابر وطنية وعربية عدة، ثم أسستُ “الجمعية الوطنية للتأليف والنشر”. ولمواجهة غلاء تكاليف الطباعة، واكبتُ التحول الرقمي وأطلقتُ موقع «آفاق فكرية»، ليكون من الرواد محلياً في التخصص بشؤون التأليف والنشر.
على مدار عشرين عاماً، أثمر مشروعي الفكري مئات المقالات وعدداً من الكتب؛ توج بعضها بجوائز وطنية رفيعة، واعتُمد بعضها الآخر مراجع للباحثين في الجامعات والمعاهد داخل الوطن العربي وخارجه. ورغم هذا العطاء المستمر، لم أحظَ بأي دعم حكومي أو تمويل خاص لمشاريعي الثقافية، إذ نذرتُ قلمي لخدمة القضايا العلمية والفكرية المرتبطة بالإنسان والمجتمع، مترفعاً عن الترويج للأشخاص أو الإساءة إليهم.

أبرز الإصدارات الفكرية:
    من أهم أعمالي المطبوعة كتاب «معرفة الله: دلائل الحقائق القرآنية والكونية»، الذي صدرت طبعته الأولى عن “دار الوثائق” بدمشق (2001م)، والثانية عن “دار وحي القلم” بدمشق (2002م)، وهو العمل الذي نلتُ به “جائزة شنقيط” في نسختها الثانية عام 2003م.
وإلى جانب ذلك، أنتظر صدور أعمال أخرى قريباً، منها:
«تائه يبحث؟! مدخل علمي إلى الإيمان»، وهو عمل مشترك مع العلامة الراحل الشيخ حمدن ولد التاه (رحمه الله).
«القرآن وسؤال المعنى: من أزمة الإلحاد المعاصر إلى برهان الوحي».
«الوسطية والاعتدال في موريتانيا»، بالاشتراك مع الدكتور أحمدو ولد حبيب الله.
    ولطالما اضطرتني الظروف المادية الصعبة إلى التنازل عن حقوق بعض هذه المؤلفات وبيعها لتأمين تكاليف طباعتها ونشرها.
    شكل صدور كتابي «دين الفطرة: استنطاق الرياضيات والفيزياء بلغة إنسانية» نقلة نوعية في مشروعي الفكري. صدرت الطبعة الأولى منه عن الأكاديمية الهندية بنيودلهي (2010م)، ثم الطبعة الثانية عن دار المعراج بدمشق وبيروت (2014م) في نحو 400 صفحة. وقد نفدت الطبعتان بعد أن حظي العمل باهتمام أكاديمي بالغ، ليصبح مرجعاً يُعتد به. وقد تشرف الكتاب بتصدير من الراحل الدكتور محمد المختار ولد أباه، والشيخ الدكتور أمين العثماني، وتقديم من الأستاذ الدكتور أحمدو ولد محمد محمود والمفكر سمير الحفناوي.

فلسفة الكتاب وأهميته”
    يقدم «دين الفطرة» مقاربة معرفية تدمج بين الدين والعلم والفلسفة، متخذاً من الفطرة الإنسانية بوصلة للبحث عن الحقيقة. يسعى الكتاب إلى جسر الهوة بين العقل والإيمان، وإعادة قراءة مفاهيم العلوم الحديثة (كالرياضيات والفيزياء) عبر عدسة القيم الحضارية للإسلام.
يناقش العمل قضايا جوهرية مثل: أصالة الحضارة الإسلامية، جدلية الدين والحداثة، الفلسفة والفيزياء، ونقد النزعة المادية. ويبرز الرياضيات كلغة تعبر عن التوازن الكوني. رسالة الكتاب الكبرى هي التأكيد على أن الدين لا يخاصم العلم، بل يمنحه الإطار الأخلاقي والمعرفي الذي يرتقي بالبحث العلمي والتأمل الفلسفي.

دوافع الترجمة إلى اللغات الحية:
    إن الزخم الأكاديمي الذي حققه الكتاب يجعله مؤهلاً بقوة لترجمته إلى اللغات العالمية، ليكون سفيراً للفكر الموريتاني في الأوساط الثقافية الدولية. وتبرز أهمية هذا المشروع في:
تقديم مقاربة فريدة تمزج بين العلوم الدقيقة (الرياضيات والفيزياء) وقضايا الإيمان.
    التعريف بالجهد الفكري الموريتاني في مجال فلسفة العلم والدين.
    تعزيز لغة الحوار الحضاري وتصحيح المفاهيم المغلوطة عن الإسلام.
    إثبات الحضور الأكاديمي الموريتاني في المحافل الدولية.
فتح نوافذ للتواصل والشراكة مع المراكز البحثية والجامعات العالمية.
    إظهار التناغم بين مكتشفات العلم الحديث والرؤية القرآنية للكون والإنسان.

احتفاء أكاديمي واسع
    لقد نال «دين الفطرة» إشادة واسعة من نخبة من كبار الأكاديميين والمفكرين، أذكر منهم: الراحل العلامة د. محمد المختار ولد أباه، رئيس مجلس جائزة شنقيط سابقا رئيس جامعة شنقيط العصرية  المفكر د. سمير الحفناوي، جمهورية مصر العربية  أ.د. محمد سيديا ولد خباز، الرئيس السابق لجامعة أنواكشوط والمدرسة العليا للتعليم. أ.د. أحمدو ولد محمد محمود، رئيس مشروع دكتوراه الفيزياء جامعة أنواكشوط، مولانا الشيخ د. أمين العثماني الأمين التنفيذي للأكاديمية الهندية دلهي، د. عماد العجيلي جامعة الأزهر .        د. سيدي أحمد ولد الأمير، مركز الجزيرة للدراسات.  د. طه حسين الجوهري جامعة مينيسوتا الامريكية، والمفكر العراقي د. عبد الجبار الرفاعي جامعة بغداد. وهو ما يعكس قيمة الكتاب كخطاب إنساني معاصر يجمع بين الوحي والعقل والعلم.

    مشروع الترجمة والنشر (بالإنجليزية والأوردية)
تلقيتُ عرضاً رسمياً من مؤسسة (ADAMKADA) لترجمة الكتاب ونشره باللغتين الإنجليزية والأوردية. تبلغ التكلفة الإجمالية للمشروع (40 ألف دولار أمريكي)، تشمل: الترجمة، الطباعة، النشر، إصدار النسخة الإلكترونية، بالإضافة إلى تكاليف السفر والإقامة والمتطلبات اللوجستية لإشرافي المباشر على المشروع. نحن الآن أمام خطة عمل جاهزة وواضحة، ولا ينقصها سوى الدعم المادي لترى النور.

رسالتي ومطلبي من الدولة:
    بعد عقدين من العطاء المعرفي بجهود ذاتية وتضحيات مادية كبيرة، قررتُ التوجه بهذا المشروع إلى الدولة الموريتانية، لا بحثاً عن مكسب شخصي، بل أملاً في تبني مشروع فكري وطني والانطلاق به نحو العالمية.
ومن هذا المنطلق، حرصتُ على لقاء فخامة رئيس الجمهورية، وعرضتُ عليه المشروع خلال فعاليات مهرجان مدائن التراث في “ولاتة” و”وادان”، ومؤخراً خلال زيارته لولاية “آدرار”، ملتمساً منه توجيه الجهات المختصة لتبني تنفيذه.
    أنا على يقين أن رعاية هذا العمل وترجمته ستعود على موريتانيا بمكاسب معنوية وحضارية كبرى، وتفتح أبواب الجامعات العالمية أمام الفكر الموريتاني. هذا الكتاب هو عصارة سنوات من البحث والتنقيب، تكبدتُ مشقتها من مالي الخاص في ظروف صعبة، ودعمه اليوم ليس امتيازاً لي كفرد، بل هو استثمار في مشروع ثقافي يرفع اسم موريتانيا، ويقدم صوتها الفكري الأصيل مساهماً فاعلاً في الحوار الحضاري العالمي.

المؤلف
المرابط ولد محمد لخديم
حاصل على جائزة شنقيط في الدراسات الإسلامية النسخة الثانية2003م.
النائب الأول لمنتدى الفائزين بجائزة شنقيط.

شاهد أيضاً

عدتُ إلى المكتبة.. فوجدتُ ربع قرن من حياتي بين الرفوف!!/المرابط ولد محمد لخديم

     في صبيحة يوم الخميس، الأول من أكتوبر 2026م (الموافق 20 ربيع الثاني 1448هـ)، …