القرآن وسؤال المعنى: من أزمة الإلحاد المعاصر إلى برهان الوحي (الحلقة الأولى)/المرابط ولدمحمد لخديم


توضيح للقارئ الكريم
  حاولتُ في السلسلتين السابقتين، «الملاحدة الجدد وأزمة المرجعية» و «مع القرآن لفهم الحياة»، مقاربة سؤال المعنى من زاويتين متكاملتين:
    الأولى زاوية نقد الإلحاد المعاصر وما يطرحه من إشكالات معرفية وأخلاقية عميقة،
   والثانية زاوية العودة إلى القرآن والسنة الصحيحة بوصفهما خطابًا يقدّم تفسيرًا متماسكًا للحياة والوجود.
ومن هنا جاء هذا العنوان الجديد الذي يسعى إلى الجمع بين المسارين في إطار فكري واحد:
«القرآن وسؤال المعنى: من أزمة الإلحاد المعاصر إلى برهان الوحي».
    فالمقصود ليس مجرد عرضٍ لنقد الإلحاد، ولا مجرد تأملٍ وعظي في النص القرآني، بل محاولة فكرية لربط أزمة المعنى في الفكر المعاصر بالجواب القرآني الذي يقدّم رؤية متماسكة للإنسان والكون والحياة.
     لقد تناولنا في الحلقات الماضية من سلسلة «الملاحدة الجدد وأزمة المرجعية: من صراع الحضارات إلى سؤال الأخلاق» مجموعة من القضايا الفكرية التي أصبحت في قلب الجدل الفلسفي المعاصر. فالسؤال لم يعد مقتصرًا على موقع الدين في المجال الاجتماعي، بل أصبح سؤالًا أعمق يتعلق بمرجعية المعنى والأخلاق في عالم يتجه بصورة متزايدة نحو الاختزال المادي للإنسان.
    ففي التصور المادي الصارم، لا يُنظر إلى الإنسان إلا بوصفه نتاجًا لتفاعلات كيميائية وعمليات بيولوجية عمياء. غير أن هذا التصور يصطدم بحقيقة أساسية في التجربة الإنسانية، وهي أن الإنسان كائن يسأل عن المعنى. فهو لا يكتفي بمعرفة كيف تعمل الأشياء، بل يبحث كذلك عن غاية وجودها وغاية وجوده هو ذاته. وهذا السؤال الوجودي العميق لا يمكن تفسيره تفسيرًا كاملًا داخل إطار المادية الصرفة.
ومن هنا يظهر ما يمكن تسميته بالدليل الفطري؛ إذ تكشف التجربة الإنسانية، عبر مختلف الحضارات والثقافات، عن ميل عميق لدى الإنسان نحو الإيمان بما يتجاوز عالم الحس. فالدين، بهذا المعنى، ليس مجرد تقليد ثقافي عابر، بل تعبير عن بُعد أصيل في الطبيعة البشرية.
 وقد لاحظ عدد من الباحثين في علم النفس والأنثروبولوجيا أن الإنسان، حتى في أكثر البيئات علمانية، يحتفظ بحاجة داخلية إلى الاتصال بما هو أسمى منه. ويتجلى هذا البعد الفطري في ظاهرة إنسانية عالمية هي الدعاء؛ فالإنسان، حين يواجه حدود قدرته أو يشعر بضعفه أمام قوى الطبيعة والحياة، يتجه بصورة شبه غريزية إلى مخاطبة قوة أعلى. وانتشار هذه الظاهرة في جميع الثقافات واللغات يصعب تفسيره بوصفه مجرد وهم جماعي، إذ من غير المعقول أن تنشأ نزعة إنسانية بهذا الاتساع والرسوخ بلا أساس في البنية النفسية والوجودية للإنسان.
    وفي هذا السياق جاءت السلسلة الثانية الموسومة «مع القرآن لفهم الحياة» لتتناول طبيعة القرآن بوصفه نصًا يتجاوز كونه كتابًا دينيًا تقليديًا. فالقرآن لا يخاطب الإنسان باعتباره تابعًا خاضعًا، بل باعتباره عقلًا قادرًا على الفهم والتأمل؛ ولذلك يوجّه الخطاب القرآني الإنسان باستمرار إلى التفكير في الكون والتاريخ والذات…..يتواصل..
ملاحظة: اجعل لنفسك مشروع دعوة: فالدعوة اليوم مسؤولية الجميع، ولكل شخص دوره حسب موقعه وقدرته.

شاهد أيضاً

الملاحدة الجدد وأزمة المرجعية: من صراع الحضارات إلى سؤال الأخلاق!! (الحلقة التاسعة)/المرابط ولد محمد لخديم

 الإنسان بين الاختزال المادي وحاجته الفطرية إلى المعنى     شهد الفكر الغربي الحديث تحولات …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *