القرآن وسؤال المعنى: من أزمة الإلحاد المعاصر إلى برهان الوحي (الحلقة الثالثة)/ المرابط ولد محمد لخديم


الكلام مرآة النفس والعقل طريق إدراك الحقيقة
   مدخل منهجي إلى فهم سؤال المعنى في القرآن
قبل الخوض في القضايا الكبرى المتعلقة بالعقيدة أو سؤال المعنى في الوجود، لا بد من الوقوف عند مسألة أساسية تتعلق بطبيعة التفكير الإنساني نفسه: كيف يفكر الإنسان؟ وكيف يصل إلى الحكم على الأشياء والأفكار؟
     لقد أشار بعض الباحثين في علم النفس التربوي إلى فكرة عميقة مفادها أن الكلام مرآة لنفسية المتكلم.(10) فكلما تحدث الإنسان وأفاض في الكلام، ظهرت من خلال أسلوبه وطريقة تعبيره ملامح شخصيته وخصائصه النفسية. ولهذا قال القدماء: إن الكلام صفة المتكلم، أي أن اللغة والأسلوب ليسا مجرد وسيلة للتعبير، بل هما انعكاس مباشر للبنية النفسية والعقلية للإنسان.
    ولعل هذا ما يفسر الطريقة التي يعتمدها المحققون في استجواب المتهمين؛ فهم يدركون أن كثرة الكلام تكشف ما وراءه من أفكار ودوافع، لذلك يطرحون أسئلة متتابعة حول حياة المتهم وظروفه وأعماله من أجل استدراجه إلى الحديث. فمع كل جملة ينطق بها تتكشف جوانب من شخصيته وطريقة تفكيره.
     ومن هنا نفهم أن الأسلوب لا يمكن تقليده تقليدًا كاملاً؛ فالناس يشتركون في الطبيعة الإنسانية، لكن لكل إنسان خصوصيته النفسية والأخلاقية والمزاجية والفكرية. ولذلك لا يستطيع شخص أن يتخلى تمامًا عن أسلوبه ليحاكي أسلوب غيره، لأن الكلام في النهاية هو تعبير عن الذات المتكلمة.
        وإذا انتقلنا من هذا المدخل النفسي إلى المجال الفكري والعقدي، نجد أن كل منظومة فكرية تقوم على أسس معرفية محددة تشكل مرجعيتها الأساسية؛ فقد تكون هذه المرجعية كتابًا مقدسًا كما في الديانات الكبرى، أو منظومة فكرية وضعية كما في الفلسفات الحديثة.
لكن السؤال الأهم يبقى: كيف يصل الإنسان إلى الحكم على صحة الأفكار أو بطلانها؟
     الجواب يكمن في ما يُعرف بـ الطريقة العقلية في التفكير.
الطريقة العقلية(11) هي منهج للبحث يعتمد على انتقال الإحساس بالواقع عبر الحواس إلى الدماغ، ثم تفسير هذا الواقع اعتمادًا على معلومات سابقة، ليصدر العقل حكمه عليه. وهذا الحكم هو ما نسميه الفكر أو الإدراك العقلي.
    وهذه الطريقة هي في الحقيقة الطريقة الطبيعية التي يدرك بها الإنسان الأشياء، سواء في دراسة الظواهر المحسوسة كالعلوم الطبيعية، أو في تحليل الأفكار والنصوص كالأدب والفقه والفلسفة.
      والنتائج التي يصل إليها العقل عبر هذه الطريقة نوعان:
الأول: الحكم على وجود الشيء، وهو حكم قطعي، لأنه قائم على الإحساس المباشر بالواقع، والحواس لا تخطئ في إدراك وجود الشيء.
    أما الثاني: فهو الحكم على حقيقة الشيء أو صفته، وهذا الحكم يكون ظنيًا، لأنه يعتمد على تفسير الواقع بالمعلومات السابقة، وهذه المعلومات قد تكون صحيحة أو خاطئة.
    ولهذا تقوم العملية الفكرية على أربعة عناصر أساسية:
الواقع
الإحساس بالواقع عبر الحواس
الدماغ الذي يميز الانطباعات
المعلومات السابقة
     ولتوضيح ذلك، لو سُئل الإنسان عن معنى كلمة لا يعرفها، مثل كلمة وضيمة، فإنه يتوقف في الإجابة رغم أنه سمع الكلمة بوضوح. والسبب أن المعلومات السابقة المرتبطة بها غير متوفرة، لذلك لا يستطيع إصدار حكم على معناها.
أما لو سُئل عن معنى كلمة وليمة فإنه يجيب فورًا بأنها دعوة إلى الطعام، لأن العناصر الأربعة المكونة للفكر متوفرة لديه.
ومن هنا يظهر أن المعلومات السابقة عنصر حاسم في تكوين الفكر. غير أن هذه المعلومات قد تكون صحيحة وقد تكون مضللة، ولذلك يبقى السؤال المهم: ما معيار صحتها؟
     إن المقياس الحقيقي لصحة المعلومات هو الواقع نفسه؛ فالواقع يكشف صدق المعلومات أو كذبها. فإذا قيل للإنسان إن حادثة معينة وقعت، ثم ذهب ليتحقق فوجد أنها لم تقع، فإن الواقع يكشف زيف تلك المعلومات.
    ومن هنا تتضح أهمية التربية الفكرية التي تقوم على تعليم الإنسان كيف يربط بين المعلومات والواقع، لأن الفكر لا يتكوّن بمجرد تلقي المعلومات، بل بعملية الربط بينها وبين الواقع.(12)
     وهذا المنهج في التفكير هو نفسه الذي يدعو إليه القرآن حين يخاطب العقل الإنساني، ويحثه على النظر والتفكر في الكون والوجود، لا على التقليد الأعمى. فالقرآن لا يخاطب الإنسان بوصفه مقلدًا، بل بوصفه كائنًا عاقلًا قادرًا على إدراك الحقيقة.(13)
    ومن هنا يصبح السؤال عن مصدر القرآن نفسه سؤالًا عقليًا مشروعًا:
هل يمكن أن يكون هذا الخطاب صادرًا عن بشر؟ أم أنه وحي من الله؟
وهذا السؤال هو الذي يقودنا إلى المرحلة التالية من البحث، حيث ننتقل من منهج التفكير إلى الاستدلال على مصدر الخطاب القرآني……يتواصل…..

ملاحظة: اجعل لنفسك مشروع دعوة: فالدعوة اليوم مسؤولية الجميع، ولكل شخص دوره حسب موقعه وقدرته.

شاهد أيضاً

الملاحدة الجدد وأزمة المرجعية: من صراع الحضارات إلى سؤال الأخلاق!!(الحلقةالعاشرة)/ المرابط ولد محمد لخديم

الأصولية الاسلامية بين الصورة النمطية والحقيقة المعرفية     كثيرًا ما يُستعمل مصطلح الأصولية في …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *