مع القرآن لفهم الحياة الحلقة(11)/ المرابط ولد محمد لخديم


الأصولية الاسلامية بين الصورة النمطية والحقيقة المعرفية
    كثيرًا ما يُستعمل مصطلح الأصولية في الخطاب المعاصر بوصفه تهمة فكرية أكثر منه توصيفًا علميًا دقيقًا. ففي التداول الإعلامي والسياسي تُحمَّل الكلمة غالبًا بدلالات الجمود والتطرف والانغلاق، حتى غدت مرادفًا للرفض المطلق للعقل وللحداثة. غير أن هذا الاستعمال يغفل المعنى الأصلي للمفهوم، الذي نشأ في سياق معرفي مختلف، يقوم على فكرة العودة إلى الأصول المؤسسة للفكرة الدينية بوصفها مرجعًا لفهم النص وبناء القيم.
     فإذا نظرنا إلى الأصولية في الإسلام من زاوية معرفية أوسع، فإنها لا تعني الانغلاق على الماضي بقدر ما تعني اتخاذ التجربة الإسلامية الأولى معيارًا مرجعيًا في صياغة القيم والمعايير الحضارية. فالإسلام كما عاشه الجيل الأول من الصحابة لم يكن مجرد لحظة تاريخية عابرة، بل كان تجربة تأسيسية تبلورت فيها المبادئ الكبرى التي قامت عليها الحضارة الإسلامية لاحقًا. ومن هنا فإن العودة إلى ذلك الأصل لا تعني استنساخ الماضي حرفيًا، بل تعني البحث في تلك التجربة عن المبادئ المؤسسة التي يمكن أن تهدي عملية البناء الحضاري في الحاضر.
    وقد تجسد جانب مهم من هذا التوجه داخل التراث السني من خلال المدرسة الفقهية المرتبطة بالإمام أحمد بن حنبل، التي رسخت مبدأ العودة إلى النصوص المؤسسة للإسلام باعتبارها المرجع الأول في التشريع والفكر. غير أن هذا الاتجاه لم يتطور في عزلة عن بقية التيارات الفكرية، بل دخل في حوار عميق مع المدارس الكلامية والفلسفية، وخاصة المدرسة الأشعرية التي سعت إلى إقامة توازن بين العقل والنقل، وقدمت نقدًا فلسفيًا لبعض الاتجاهات العقلية المتطرفة.
    ومع ذلك ظل هذا الاتجاه عرضة لانتقادات متكررة، إذ اتُّهم أصحابه بالتمسك الحرفي بالنصوص وبالانغلاق الفكري. غير أن هذه الانتقادات كثيرًا ما تتجاهل حقيقة مهمة، وهي أن المناهج التي طورها علماء الإسلام في علوم التفسير والفقه وأصول الفقه تمثل في جوهرها أنظمة تحليل دقيقة للنصوص واللغة. فهذه العلوم لم تكن مجرد نقل تقليدي، بل كانت محاولة منهجية لفهم بنية النص ودلالاته وسياقاته. بل إن بعض هذه المناهج يلتقي – في روحه التحليلية – مع ما وصلت إليه فلسفة اللغة الحديثة في دراسة الدلالة والبنية اللغوية.
   ولعل من اللافت أن كثيرًا من الحركات الإصلاحية في العالم الإسلامي انطلقت من هذا المنطلق الأصولي ذاته، ولكن بمعناه الإصلاحي لا الانغلاقي. فقد سعى عدد من العلماء والمصلحين في عصور مختلفة إلى إعادة قراءة التراث في ضوء الأصول الأولى، بهدف استعادة الحيوية الفكرية والحضارية للإسلام، لا بهدف تجميد الواقع في قوالب الماضي.
    ومن جهة أخرى، تكشف المقارنة مع التجربة الغربية بعدًا إضافيًا في هذا النقاش. فالدراسات النقدية الحديثة للنصوص الدينية في الغرب – ولا سيما دراسات العهد الجديد – أدت في كثير من الأحيان إلى إثارة الشكوك حول موثوقية تلك النصوص، وهو ما انعكس في تراجع الاعتقاد بها لدى بعض الدوائر الفكرية. أما الدراسات الاستشراقية التي تناولت القرآن الكريم بالتحليل التاريخي واللغوي الدقيق، فقد انتهى عدد غير قليل من الباحثين فيها إلى الإقرار بموثوقية النص القرآني وبنائه المتماسك، فضلًا عن انسجامه اللافت مع بعض الحقائق التي كشفتها العلوم الطبيعية والكونية، الأمر الذي عزز مكانته وثقة المؤمنين به.
     غير أن فهم الدين لا يمكن أن يقتصر على التحليل التاريخي أو النقد النصي وحده، بل يحتاج كذلك إلى مقاربة إنسانية أعمق. وفي هذا السياق يمكن الاستفادة من بعض المعطيات التي يقدمها علم النفس التربوي، خاصة الفكرة التي ترى أن الكلام مرآة لنفسية المتكلم.
فأسلوب الإنسان في التعبير يعكس ملامح شخصيته وخصائصه النفسية والأخلاقية، ولذلك يصعب على الإنسان أن يقلد أسلوب غيره تقليدًا كاملاً؛ لأن لكل فرد بصمته الخاصة في اللغة والتعبير.
    ومن هذا المنظور، يصبح تحليل الخطاب الديني – بما في ذلك النص القرآني – مجالًا يتجاوز حدود الدراسة اللغوية أو التاريخية، ليدخل أيضًا في نطاق فهم البنية النفسية والأخلاقية التي يعكسها الخطاب نفسه. وهذا يفتح أفقًا أوسع لفهم العلاقة بين النص والإنسان والتجربة الحضارية التي نشأت حوله.
    وبذلك يتضح أن الأصولية، في معناها المعرفي العميق، ليست دعوة إلى الانغلاق أو الانسحاب من التاريخ، بل هي محاولة للعودة إلى المبادئ المؤسسة التي شكلت روح التجربة الإسلامية الأولى، من أجل استلهامها في بناء الحاضر واستشراف المستقبل…..يتواصل…
ملاحظة: اجعل لنفسك مشروع دعوة: فالدعوة اليوم مسؤولية الجميع، ولكل شخص دوره حسب موقعه وقدرته.

شاهد أيضاً

الملاحدة الجدد وأزمة المرجعية: من صراع الحضارات إلى سؤال الأخلاق!! (الحلقة الثامنة)/المرابط ولد محمد لخديم

   العلم وسؤال الخالق: تراجع الإلحاد أمام الاكتشافات الحديثة. لم يعد الجدل حول وجود الخالق …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *