
حلّ العقدة الكبرى: كيف أنهى القرآن حيرة الإنسان بسؤال التوحيد؟
لا يقدّم القرآن الأجوبة الكبرى في صيغة تلقينٍ جامد، ولا يعالج أسئلة الوجود بوصفها ترفًا فلسفيًا معزولًا عن الحياة، بل يسلك طريقًا أعمق أثرًا وأبقى هداية: يوقظ السؤال أولًا في نفس الإنسان، ثم يقوده، خطوةً خطوة، إلى الجواب الذي يستقرّ به العقل ويطمئنّ به القلب.
ومن هنا، فإن ما يمكن تسميته بـ”العقدة الكبرى”، أي سؤال الكون والإنسان والحياة، يظهر في القرآن مدخلًا أصيلًا للهداية، لا مجرد قلقٍ ذهني عابر.
يبدأ القرآن بإثارة النظر لا بفرض النتيجة، كما في قوله تعالى:
﴿قُلِ انظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [يونس: 101].
فهذا النداء ليس دعوةً إلى تأملٍ سطحي، بل إلى نظرٍ نافذ يكتشف المعنى الكامن وراء هذا الكون، ويهدي إلى أن الوجود ليس عبثًا، وأن وراءه حكمةً وقصدًا وتدبيرًا.
غير أن هذا النظر، إذا تُرك وحده بلا هداية، قد ينحرف عن مساره الصحيح. فالإنسان، مدفوعًا بحاجته الفطرية إلى الاطمئنان والإشباع، قد يبتكر أجوبةً توهمه الراحة، لكنها لا تستند إلى الحقيقة. وقد سجّل القرآن نموذجًا لهذا الانحراف في قوله تعالى:
﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: 3].
فهنا يظهر الدافع الديني حاضرًا، لكنّه دافعٌ فقد سلامة التوجيه، فتحوّل من البحث عن الله إلى الضلال عنه.
ومن ثمّ، يتبيّن أن الإشكال ليس في وجود الدافع، بل في فساد الوجهة. فالفطرة الإنسانية في أصلها ليست خصمًا للهداية، بل هي قابلة لها، مشدودة إليها، غير أنّها قد تُغطّى بالغفلة أو تُحرّف بالهوى. ولذلك لا يقدّم القرآن الهداية بوصفها تعليمًا جديدًا فقط، بل بوصفها أيضًا تذكيرًا بما هو مركوز في النفس، كما في قوله تعالى:
﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ﴾ [الأعراف: 201].
فالتذكّر هنا ليس اكتسابًا لمعرفةٍ من خارج النفس، بقدر ما هو استعادةٌ لوعيٍ فطريّ غُيِّب تحت ركام الغفلة.
ويؤكّد القرآن هذا المعنى تأكيدًا مباشرًا حين يربط الفطرة بأصل التوحيد، في قوله تعالى:
﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا ۚ فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ۚ لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم: 30].
فالإنسان، في أصل خلقته، مهيّأ للاهتداء إلى ربّه، لكن هذا الاستعداد، على رسوخه، لا يكفي وحده لبلوغ اليقين التام؛ لأن العقل محدود، والتجربة قاصرة، والهوى متقلّب، والبيئة قد تشوّش على الفطرة صفاءها الأول.
من هنا جاءت الحاجة إلى الوحي، لا ليعطّل العقل، بل ليهديه، ولا ليلغي الفطرة، بل ليصحّح مسارها، ويمنح الإنسان الجواب الحاسم الذي لا يتسرّب إليه الشك. ولذلك لم تختلف دعوات الأنبياء في جوهرها، لأنّها جميعًا تخاطب الحقيقة الإنسانية نفسها، وتقدّم الجواب نفسه عن السؤال نفسه:
﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: 59، 65، 73، 85].
فهذا هو نداء نوح عليه السلام إلى قومه:
﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ * أَن لَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ ۖ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ﴾ [هود: 25-26].
وهو نداء هود عليه السلام:
﴿وَإِلَىٰ عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا ۚ قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ ۖ إِنْ أَنتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ﴾ [هود: 50].
وهو نداء صالح عليه السلام:
﴿وَإِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا ۚ قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ ۖ هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ ۚ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُّجِيبٌ﴾ [هود: 61].
وهو نداء شعيب عليه السلام:
﴿وَإِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا ۚ قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ ۖ وَلَا تَنقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ ۚ إِنِّي أَرَاكُم بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُّحِيطٍ﴾ [هود: 84].
وهو نداء إبراهيم عليه السلام:
﴿وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ۖ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت: 16].
وهو أول ما خوطب به موسى عليه السلام في مقام الاصطفاء:
﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَـٰهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي﴾ [طه: 14].
وأكد عيسى عليه السلام هذا الأصل نفسه بقوله:
﴿اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾ [المائدة: 117].
ثم خُتمت الرسالات جميعًا بالدعوة الشاملة التي جاءت بها رسالة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، حيث ورد الأمر الإلهي الصريح:
﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَـٰهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد: 19].
وهكذا يتبيّن أن تكرار هذه الدعوة في القرآن ليس تكرارًا تاريخيًا، بل هو تأكيدٌ لوحدة السؤال ووحدة الجواب. فالسؤال الوجودي الذي حيّر الإنسان منذ القدم: من أين؟ جئنا؟! ولماذا جئنا؟ وإلى أين المصير؟ لم يتركه الوحي نهبًا للتخمين، بل حسمه بجوابٍ جامع: إن للكون ربًّا، وللإنسان خالقًا، وللحياة غاية، وللمصير حسابًا، وإن مفتاح ذلك كلّه هو التوحيد.
وعندما يلتقي العقل الباحث، والفطرة السليمة، والوحي الهادي، تتحقق الهداية في صورتها الكاملة؛ حالةٌ من الانسجام العميق بين الإنسان ونفسه، وبين إدراكه ووجدانه، وبين وجوده والكون من حوله. عندها لا تعود الأسئلة الكبرى مصدر تيهٍ واضطراب، بل تصبح طريقًا إلى اليقين والمعنى.
إن التوحيد، في هذا السياق، لا يُعرض بوصفه حكمًا تعبديًا مجردًا فحسب، بل بوصفه الجواب الوجودي الأكبر؛ الجواب الذي يملأ فراغ القلب، ويضع حدًّا لتيه العقل، وينهي حيرة الإنسان.
ذلك أن في داخل الإنسان فراغًا لا يملؤه علمٌ وحده، ولا تسدّه ثقافةٌ وحدها، ولا تنهيه فلسفةٌ وحدها، وإنما يملؤه الإيمان بالله الواحد.
وقد عبّر ابن القيم عن هذه الحقيقة تعبيرًا بليغًا حين قال:
“في القلب شعث لا يلمه إلا الإقبال على الله، وفيه وحشة لا يزيلها إلا الأنس به، وفيه قلق لا يسكنه إلا الاجتماع عليه.”
وعليه، فإن حلّ العقدة الكبرى، كما يقدّمه القرآن، لا يتحقق بترك الإنسان لاندفاعاته الفطرية وحدها، ولا بالاكتفاء بعقله المجرّد وحده، بل يتحقق حين تتكامل عناصر الهداية الثلاثة: عقلٌ يبحث، وفطرةٌ تهدي، ووحيٌ يرشد. هناك فقط يبلغ الإنسان اليقين، وتستقرّ نفسه، وتطمئنّ روحه، ويهتدي إلى معنى وجوده، وربّه، ومصيره…..يتواصل….
ملاحظة: اجعل لنفسك مشروع دعوة: فالدعوة اليوم مسؤولية الجميع، ولكل شخص دوره حسب موقعه وقدرته.
آفاق فكرية بحث، معرفة، تبادل ثقافي