
القرآن وتحدي البيان: معجزة اللغة التي لم تُهزم
لم يكن العرب عند نزول القرآن أمةً غريبة عن اللغة أو عاجزة عن تذوق البيان؛ بل كانوا سادة الفصاحة وأرباب البلاغة، تتحدد مكانتهم الاجتماعية بقدر ما يملكون من قدرة على القول وإبداع في التعبير. ومع ذلك، حين سمعوا القرآن لأول مرة، فوجئوا بنصٍّ لم يعهدوه من قبل؛ نصٍّ أحدث في ذائقتهم اللغوية صدمة حقيقية، دون أن يستطيعوا أن يعثروا فيه على خطأ لغوي أو خلل نحوي يمكن أن يتخذوه مدخلًا للطعن فيه.
وأمام هذا العجز، لم يجدوا سبيلًا إلى مواجهة النص في ميدانه الطبيعي، ميدان اللغة والبلاغة، فلجؤوا إلى الاتهام بدل المعارضة. فوصفوه بالسحر، كما يروي القرآن قولهم: ﴿وَقَالُوا إِنْ هَٰذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾(34).
وهنا تتجلى مفارقة لافتة؛ إذ إن أمةً اشتهرت بقدرتها على التحدي الشعري والبلاغي لم تحاول مواجهة القرآن بأسلوب مماثل، بل اكتفت بالتشكيك في مصدره. والسبب في ذلك أنهم أدركوا، في قرارة أنفسهم، أن هذا النص يتجاوز القدرة البشرية المعهودة في البيان.(35)
لقد قدّم القرآن تحديًا واضحًا ومباشرًا لمعارضيه. لم يكن مجرد دعوى نظرية، بل دعوة عملية مفتوحة: أن يأتوا بمثل هذا القرآن. ثم خفّف التحدي إلى عشر سور، ثم إلى سورة واحدة فقط، كما في قوله تعالى: ﴿وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ﴾(36). بل إن النص القرآني مضى أبعد من ذلك حين أعلن أن هذا التحدي يتجاوز قدرة البشر والجن جميعًا: ﴿قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَىٰ أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَٰذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ﴾(37).
ولو كان العرب قادرين على معارضة القرآن لفعلوا، لأن ذلك كان أقصر طريق لإبطال دعوة النبي صلى الله عليه وسلم. لكن التاريخ لم يسجل لهم محاولة حقيقية ناجحة، بل تحوّل خطابهم من محاولة الطعن اللغوي إلى الاتهام، فتارة وصفوه بالشعر، وتارة بالكهانة، وتارة بالسحر. وهذا التحول في ذاته يكشف عن إدراكهم لعجزهم أمام نصٍّ لم يسبق له نظير في لغتهم.
واللافت أن هذا التحدي لم يكن مجرد لحظة تاريخية مرتبطة بزمن النزول، بل ظل قائمًا عبر القرون. فمع تطور العلوم والآداب وتقدم المعرفة البشرية، بقي القرآن نصًا متفردًا في بنيته اللغوية وبلاغته التعبيرية. وهنا يتجلى أحد وجوه الإعجاز؛ فكل عمل إنساني يمكن تقليده أو تجاوزه بعمل أفضل مع مرور الزمن، أما القرآن فقد أعلن منذ البداية أن البشر لن يستطيعوا الإتيان بمثله، ثم مضت القرون دون أن يستطيع أحد نقض هذا التحدي.
ومن مظاهر هذا التفرد أيضًا دقة الألفاظ القرآنية؛ فالكلمة في القرآن ليست مجرد مفردة يمكن استبدالها بمرادف دون أثر. إن كل لفظة موضوعة في موضعها بدقة لافتة، بحيث يؤدي أي تغيير فيها إلى اضطراب المعنى أو اختلال الإيقاع والسياق. ولهذا ظل النص القرآني نموذجًا لغويًا فريدًا يتحدى الفصحاء والبلغاء جيلاً بعد جيل.
بل إن التفرد يمتد إلى اسم الكتاب نفسه: القرآن؛ وهو اسم مشتق من القراءة، وكأن في تسميته إشارة إلى أنه سيكون أكثر كتاب يُقرأ في تاريخ البشرية. وقد تحقق ذلك بالفعل؛ فهو الكتاب الوحيد الذي جمع بين الحفظ في الصدور والكتابة في السطور، وانتقل عبر الأجيال محفوظًا بدقة استثنائية لم تعرفها نصوص أخرى.
وهكذا لا يتجلى إعجاز القرآن في بلاغته وحدها، بل في قدرته المستمرة على تحدي العقل الإنساني عبر الزمن. فكلما تقدمت البشرية في المعرفة، ظل هذا النص قائمًا بوصفه ظاهرة لغوية وروحية تتجاوز حدود القدرة البشرية. ولذلك لم يكن القرآن مجرد كتاب ديني فحسب، بل نصًا فريدًا ما يزال يطرح سؤاله الكبير على التاريخ: هل يستطيع البشر أن يأتوا بمثله؟
وحتى اليوم، وبعد أكثر من أربعة عشر قرنًا، ما يزال الجواب كما كان منذ البداية: لم يفعلوا، ولن يفعلوا….يتواصل….
ملاحظة: اجعل لنفسك مشروع دعوة: فالدعوة اليوم مسؤولية الجميع، ولكل شخص دوره حسب موقعه وقدرته.
آفاق فكرية بحث، معرفة، تبادل ثقافي