القرآن وسؤال المعنى: من أزمة الإلحاد المعاصر إلى برهان الوحي؛ (الحلقة:21)/المرابط ولد محمد لخديم


من هداية العقل إلى سكينة الفطرة
    تأسيسًا على ما تقدّم، يتجلّى أن العقل — حين يتجرّد من الهوى ويصفو من الشوائب — يهدي بطبيعته إلى التوحيد، غير أنّ القرآن الكريم لا يترك هذا العقل يسير منفردًا، بل يدرجه ضمن نسقٍ متكامل من الهداية، يتدرّج بالإنسان من إثارة السؤال إلى سكينة اليقين.
    فالمنهج القرآني لا يقدّم التوحيد بوصفه قضيةً تقريرية جامدة، وإنما يبنيه عبر مسارٍ حيّ يبدأ بإيقاظ النظر، كما في قوله تعالى:
﴿قُلِ انظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [يونس: 101]
وهذا النظر ليس وقوفًا عند ظاهر المشهد، بل هو انتقالٌ واعٍ من الظاهرة إلى دلالتها، ومن الحسّ إلى المعنى الكامن وراءه.
    ثم ترتقي هذه الدعوة إلى مستوى التفكّر العميق، حيث يقول سبحانه:
إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: 190]،
ثم بيّن أثر هذا النظر بقوله:
{الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} [191].
    فيتحول النظر إلى قراءةٍ عقلية تستنطق الكون، وتستخرج منه الشهادة على الخالق. كما تقدم آنفا(48)
غير أن المسار لا يقف عند حدود التأمل في الكون، بل ينتقل إلى مرحلة أخصّ وأعمق، هي تدبّر الوحي ذاته:
﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ [النساء: 82]
     وهنا يلتقي العقل بالوحي، فيكتمل البناء المعرفي، ويغدو الإنسان في مواجهة نصٍّ إلهيّ يفسّر الكون، ويكشف غايته.
وفي هذا النسق المتدرّج، يبلغ البرهان ذروته حين يقرّر القرآن استحالة تعدد الآلهة ببرهان عقلي صريح:
﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: 22]
﴿إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ﴾ [المؤمنون: 91]
     وهو برهان يقوم على انتظام الكون ووحدته، فيدلّ على وحدة المدبّر، ويقطع بإحالة التعدد.
    وليس هذا الإدراك حكرًا على الوحي وحده، بل شهدت له مسيرة الفكر الإنساني؛ فقد انتهت عقولٌ كثيرة — رغم اختلاف البيئات — إلى تنزيه الإله وتوحيده. فـأفلاطون وأرسطو قرّرا مبدأ الإله الواحد الكامل، كما دعا أكسينوفان إلى تنزيهه عن مشابهة البشر، في إشاراتٍ فلسفية تلتقي مع مقتضى العقل السليم.
    بل إن البيئة العربية قبل الإسلام — على ما فيها من شرك — لم تخلُ من أصواتٍ فطرية تنزع إلى التوحيد، كـزيد بن عمرو بن نفيل، الذي أعلن رفضه لعبادة الأصنام، قائلاً:
تركت اللات والعزى جميعا** كذلك يفعل الرجل الصبور
فلا العزى أدين ولا ابنتيـها ** ولا صنمي بني غُنم أزور(49).
كما كفر بتعدد الآلهة عربي آخر حيث يقول:
أربًـا واحــد أم ألف رب ** أدين إذا تقاسمت الأمور
تركت اللات والعزى جميعا ** كذلك يفعل الرجل الخبير.
وهذا يدلّ على أن التوحيد ليس فكرة طارئة، بل هو نداءٌ فطريّ يتجدّد في أعماق الإنسان.(50)
     ومن هنا يتبيّن أن التدين في أصله فطرة؛ إذ يجد الإنسان نفسه — في لحظات العجز والضيق — مندفعًا إلى الالتجاء إلى قوةٍ أعلى. فالمريض، والمكروب، والمحتاج، تتجه قلوبهم قبل عقولهم نحو السماء، وكأن في داخلهم يقينًا دفينًا لا يحتاج إلى برهان.
     غير أن القرآن لا يكتفي بإقناع العقل وإثارة الفطرة، بل ينتقل إلى إحياء القلب، كما في قوله تعالى:
﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾
[الحديد: 16]
    فتتحول المعرفة إلى خشوع، والعلم إلى إحساسٍ حيّ يورث الطمأنينة.
    وهنا يتجلّى التكامل القرآني في أبهى صوره:
العقل يهدي إلى الحقيقة، والفطرة تتلقّاها بالقبول، والقلب يحوّلها إلى سكينة.
     ومن خلال هذا النسق، نفهم أن “العقدة الكبرى” — سؤال الكون والإنسان والحياة — لا تُحلّ بحلٍّ نظريّ مجرد، بل عبر هذه السلسلة القرآنية المتكاملة في إنتاج المعنى:
نظرٌ ، تفكّرٌ ، تدبّرٌ ، يقينٌ ، خشوع
     وعلى هذا الأساس، يكون الحلّ الصحيح هو الذي:
ينطلق من الواقع المحسوس عبر الحواس،
    ويُعالَج بالعقل وفق منهجٍ سليم، ويستجيب لنداء الفطرة فيُشبعها، ثم يستقرّ في القلب يقينًا لا يتزعزع.
    أمّا إذا انقطع الإنسان عن هذا النسق، وترك “طاقته الحيوية” وحدها تقوده، فإنه قد يقع في إشباعاتٍ وهمية، تقوم على التخيلات أو الموروثات المنحرفة؛ فتُشبع الحاجة مؤقتًا، دون أن تمنح الطمأنينة، ومن هنا نشأت صور الشرك والانحراف.
     وبذلك يتبيّن أن القرآن لا يقدّم التوحيد كفكرةٍ ذهنية فحسب، بل يبنيه عبر سيرورةٍ متكاملة، تتناغم فيها دلالة الكون مع هداية الوحي، ويلتقي فيها العقل مع الفطرة، حتى يبلغ الإنسان يقينًا جامعًا:
    يقينًا يفهمه العقل، وتطمئن له النفس، وتشهد به الفطرة.
وهنا فقط تُحلّ العقدة الكبرى حلًا نهائيًا، ويستقرّ الإنسان في سكينة الإيمان…يتواصل…..
ملاحظة: اجعل لنفسك مشروع دعوة: فالدعوة اليوم مسؤولية الجميع، ولكل شخص دوره حسب موقعه وقدرته.

شاهد أيضاً

القرآن وسؤال المعنى: من أزمة الإلحاد المعاصر إلى برهان الوحي؛ (الحلقة:18)/المرابط ولد محمد لخديم

العربية لغة القرآن ووحدة الأمة الإسلامية   ينطلق الحديث عن مكانة اللغة العربية في الإسلام …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *