لستُ سياسياً، ولا أدّعي التخصص في دهاليز السياسة، لكن ما كشفته الحرب الإيرانية الأمريكية/الإسرائيلية الأخيرة كان كافياً ليكشف الأزمة العربية الحقيقية: أزمة مشروع حضاري قبل أن تكون أزمة سلاح أو اقتصاد.
فالعرب اليوم لا يعانون فقط من ضعف القوة، بل من انهيار القدرة على إنتاج خطاب فكري وإعلامي قادر على الدفاع عن الذات وصناعة التأثير في الرأي العام العالمي.
لقد تابع العالم عبر شاشة قناة الجزيرة الرئيس الأمريكي ترامب وهو يتحدث بغطرسة عن “محو الحضارة الإيرانية”، ثم شاهد ـ بالصوت والصورة ـ كيف صمدت إيران سياسياً وإعلامياً، قبل أن تتحول لغة التهديد إلى حديث عن التفاوض والدبلوماسية.
لكن الحقيقة الأكثر صدمة لم تكن في الميدان العسكري، بل على منصات الحوار السياسي، حيث ظهر الفارق الهائل بين دولة تمتلك مشروعاً واضحاً تدافع عنه بثقة، وعالم عربي ما يزال غارقاً في ارتباكه التاريخي.
المتحدث الإيراني يدخل أي منبر إعلامي مسلحاً برواية متماسكة، وثقة عالية، وإيمان راسخ بمشروع دولته، بينما يدخل كثير من المحاورين العرب مثقلين بالخوف والقيود والحسابات الرسمية، فيتحول دورهم من صناعة الرأي إلى مجرد التبرير والدفاع المرتبك.
الأكاديمي الإيراني حسن أحمد يان يتحدث بثقة المنتصر حتى في لحظات الحصار، بينما لا يزال بعض العرب يتحدثون بعقلية المهزوم منذ النكبة والنكسة.
لقد نجحت إيران في صناعة نخب تدافع عن مشروعها بلغات العالم، فيما فشلت دول عربية كثيرة حتى في حماية اللغة العربية داخل منصاتها الإعلامية.
ومن المؤلم أن ترى أحياناً بعض الأكاديميين والمستشارين العرب على سبيل المثال(الأردنية هيام نعواس) يتحدثون بإنجليزية مرتبكة، ويتبنون سرديات خصومهم السياسيين، وكأن الهزيمة الفكرية أصبحت أعمق من الهزيمة العسكرية نفسها.
https://share.google/9tnKRPYdeD2FiSaQ2
في المقابل، ظهر أكاديميون وباحثون إيرانيون في العواصم الغربية وهم يدافعون بثقة عن هويتهم الوطنية ومصالح دولتهم، مقدمين نموذجاً متقدماً في فن الخطاب والتمكن اللغوي والثقة الحضارية. ويكفي أن ترى أكاديمياً إيرانياً يتحدث العربية بطلاقة، بينما يعجز بعض العرب عن تقديم خطاب عربي مقنع حتى لجمهورهم المحلي.
إن تفوق الخطاب الإيراني في بعض المنصات الإعلامية لا يعني بالضرورة امتلاك الحقيقة المطلقة، لكنه يكشف بوضوح أن الإيراني يمتلك مشروعاً يعرف ماذا يريد، بينما لا يزال العربي يبحث عن صوته الضائع بين الانقسام والخوف والتبعية.
وهنا تكمن المأساة الحقيقية:
أمة تملك الثروة والجغرافيا والتاريخ، لكنها فقدت القدرة على إنتاج الفكرة، بينما استطاعت أمة محاصرة أن تبني خطاباً وترسانة عسكرية تجعلها حاضرة في معارك السياسة والإعلام والعقول.
آفاق فكرية بحث، معرفة، تبادل ثقافي