تُعدّ الكتابات التي تناولت اللهجة الحسانية بالدراسة قليلة، رغم انتشارها الواسع في موريتانيا وجنوب المغرب وتندوف وأجزاء من شمال النيجر، ومكانتها بوصفها أحد أبرز المكونات اللغوية والثقافية لمجتمع البيظان.
وقد أثار مقال «خواطر حول الحسانية» للأستاذ عز الدين كراي أحمد يورة اهتمامي، لما يتضمنه من ملاحظات حول
الروابط الوثيقة بين الحسانية والعربية الفصحى.
قرب الحسانية من العربية الفصحى، واحتفاظها بعدد من المفردات والتراكيب والخصائص النحوية والصرفية ذات الجذور العربية، مثل بعض استعمالات «الأزرق»، و«العربي» لليمين و«العسري» لليسار، والإضافة المباشرة، وصيغة المثنى في «راجلين»، إلى جانب بعض الظواهر النحوية التي لها نظائر في العربية القديمة.
مما يبرز الروابط الوثيقة بين الحسانية والعربية الفصحى.
وتؤكد هذه الملاحظات أن الحسانية تتجاوز كونها مجرد أداة للتخاطب اليومي، لتشكل مستودعاً حيوياً يحفظ الذاكرة اللغوية والثقافية لمجتمع البيظان، ومفتاحاً أساسياً لفهم هويته. ومن هنا، تتأكد الحاجة الملحة إلى إنجاز دراسات علمية ومنهجية تعمل على توثيق معجم الحسانية وتراكيبها وأمثالها، ومقارنتها بالفصحى وسائر اللهجات العربية، سعياً لحماية هذا التراث العريق من الاندثار في ظل التحولات اللغوية المتسارعة.
المرابط ولد محمد لخديم.
نص المقال كاملا:
خواطرُ حولَ “الحسانية”.بقلم: عز الدين بن ڭرَّاي بن أحمد يورَ.
الحسانية هي إحدى أبرز اللهجات العربية المستخدمة الآن وأقربها إلى الفصحى في ألفاظها وأساليبها وتراكيبها وأقواها قدرة على التعبير ولو تحت سطوة القافية والروي…
وقد اكتسبت اسمَها مِن نسبتها إلى القبائل الحسانية العربية التي يرتفع نسبها إلى حسَّان بن موسى الجعفريِّ المَعقلي، قال العلامةُ والدْ بن خالُنا في نظمه حول ملوك المغافرة:
قد ورِثُوا الإقدامَ نحوَ الجَيْشِ@والجُودَ والنَّجْدَةَ مِن قُرَيشِ.
وبشأن بدايات هذه اللهجة في هذا الركن من العالم العربي، قال لمرابط امحمد بن أحمد يورَ عند الكلام على أنساب بني حسان: “سمعنا مِن غير واحدٍ أن لغةَ أولهم كانت عربية قُحَّةً غيرَ مَشوبةٍ بشيءٍ مِن كلام البربر، إلا أنها غير مُعرَبة”…
دائماً ما يقودني الفضول إلى التساؤل عن أسباب بعض الجزئيات الخاصة بهذه اللهجة الجميلة، كما تدفعني الملاحظة إلى الوقوف عند بعض الدقائق التي تجعلها أقربَ إلى الفصحى مِن غيرها مِن اللهجات العربية المتكلَّمة في مختلف أقطار الوطن العربي…
مِن ذلك استخدام لفظ اللون “الأزرق” بقلةٍ، حيث يأتي في الحسانية لِوصف أشياء محددة مثل “الماء” و”السماء”، فنقول “المَ لزرڭْ و”اِسْمَ لزرڭْ”، وربما استخدمَ الوصف مجازا للإشارة إلى السذاجة أو السطحية أو ما كان على شاكلتهما مِن السِّمات، فنحن في الغالب نعبر عن “الأزرق” بالأخضر” فنقول “دراعه خظره”، حتى أننا ربما احتجنا، في سياقات كلامية معينة، إلى إضافة الخُضرةِ إلى “النعناع” او إلى “المرَّارْ” لتمييز الخضرةِ التي تعني الخضرة فعلاً عن تلك التي هي بمعنى الزُّرقةِ…ولا تفوت هنا الإشارة، ولو بشكلٍ عابرٍ، إلى أن لفظ السماء مذكر في الحسانية بخلافه في العربية الفصحى…
ومِن ذلك استخدامنا في الحسانية لمادة “عرب” للتعبير عن “اليمين”، فنقول “الزِّر العَربِي” نقصد “الجانب الأيمَن”، وأظن سائرَ اللهجات العربية تنحو نحو الفصحى هنا، فيقولون “يمين”، أما عن قولنا “الزر العسري”، فهذا له مٌلتمسٌ قريبٌ، ف”الأعسَرُ” بالفصحى هو من يعمل بيده اليُسرَى، وفي الفصحى نقول: “عاسرَه” أي جاءه مِن جانبه الأيسر…
ومِن ميزات القوة في اللهجة الحسانية، والتي يضعف أمامها مُعظمُ أخواتِها في الوطن العربي، أنها لا تحتاج إلى كلمةٍ تستند إليها عند الإضافة، فنقول بالحسانية “درَّاعتَك” دون اللجوء إلى “ابتاعْ” أو “إديالْ” أو “مالْت” أو “تبَع” أو “حڭْ” أو ما دار في فلكِها مِن “آعكاكيزَ” شائعة هناك…
وفي الفضاء المغاربي الكبير، تمتاز الحسانية بين لهجات شعوبه العربية باستخدام المُثَنَّى تماماً كما نعرفه عند العرَب الأوائل، فنقول “راجْلَين” بمعنى “رجلَين”، دون حاجة إلى ألفاظ وسيطة مثل “زُوزْ” و”جُوزْ” وغيرها من الألفاظ الغريبة التي أظنها جميعاَ تصحيفُ لكلمة “زوج” بالعربية الفصحى…
ومِن الفنيات النحوية التي لاحظتها في لهجتنا الحسانية، والتي قد لا يكون لها وجود في اللهجات الأخرى، أن العبارة الشهيرة “ما بانِت بَلْ التركيبه” تم فيها تأنيث الفعل “بانِت” مع أنه مُسنَدٌ لمذكر وهو “بَلْ”، كما جاء في الگاف الشهير:
كان إركّبني بيه الجُود
حمّ لاجيتو فالغيْبه
واليوم امركّبني محمود
“ما بانت بل التركيبه”.
وهنا تلتقي الحسانية بأمها اللغة العربية، فقد يكتسب المذكر في العربية التأنيثَ إذا أضِيف لمؤنث والعكس صحيح، قال ابن مالك في الألفية:
وربما أكْسَب ثانٍ أولا@تأنيثاً إن كان لخذفٍ مُوهَلا.
ومن شواهد ذلك قول الشاعر غيلان ذي الرّمة يصف مِشيةَ نساء:
مَشَينَ كما اهتزت رماحٌ تسفَّهت@أعاليَها مَرُّ الرياح النواسمِ.
ما هذه إلا بعضُ خواطرَ حول لهجة أصبحت هي “الكلمة المفتاح” في تعريف مجتمع “البيظان”، فقد درج أهل الاختصاص على تعريفهم، وببساطة، بأنهم الذين يتكلمون اللهجةَ “الحسانية” مهما كانوا وحيثما وُجِدُوا…
طاب يومكم،،،
آفاق فكرية بحث، معرفة، تبادل ثقافي