المجتمع الموريتاني كما عرفته: بين قيود العرف وتحولات المجتمع.. (الحلقة الثانية)./المرابط ولد محمد لخديم

لكن هذه القيمة تحولت، في بعض مظاهرها المعاصرة، إلى سباق في المظاهر المادية والوجاهة الاجتماعية؛ فأصبح البعض يقلد غيره في الزواج والسيارات والمنازل الفاخرة، ولو اضطر إلى الاستدانة وتحمل أعباء تفوق قدرته.
     وهكذا انتقل التنافس من الفضائل إلى المظاهر، ومن الارتقاء بالمجتمع إلى إرهاق أفراده.
     فـ«وخْيرت»، التي كانت تعني العلم والشهامة والأمانة والصدق والوفاء، أصبحت في بعض البيئات مرتبطة بالمال، بصرف النظر عن مصدره، كما تحول «التفاييش» من التنافس في الفضائل إلى التفاخر بالثروة والاستهلاك.
فالسيارة، مثلًا، أصبحت في المخيال الاجتماعي الموريتاني أكثر من مجرد وسيلة نقل؛ إنها جزء من صورة الفرد ومكانته، حتى إن بعض الأسر قد تتجاوز في عدد سياراتها عدد أفرادها!
    ولعل ذلك يعكس، في جانب منه، ضعف الاهتمام بالإبداع والاختراع والإنتاج النوعي، مقابل البحث عن مظاهر الثراء السريع التي تتيح لصاحبها حجز مكانة اجتماعية مرموقة، في مجتمع لا يمنح دائمًا المبدعين وأصحاب الإنجازات ما يستحقونه من تقدير.
في هذا السياق جاءت دعوة الدولة ورجال الأعمال ووسائل الإعلام من أجل تيسير الزواج والحد من تكاليفه ومظاهره الباذخة.
     وهي مبادرة مهمة تستحق التقدير، لأنها تلامس مشكلة اجتماعية واقتصادية متفاقمة، وتفتح الباب أمام نقاش وطني حول الأعراف التي أصبحت تثقل كاهل الشباب والأسر.
    ففي مجتمع كانت المرأة تتحاشى أحيانًا ذكر اسم الرجل أمام الكبار، وتلجأ إلى «التبراع» للتعبير عن مشاعر الحب والاشتياق والرغبة في الزواج، أصبحنا نشهد اليوم تحولات عميقة في طرق التعارف والاختيار، وفي المعايير التي تحكم القبول الاجتماعي.
    لقد أصبحت المهور المرتفعة وتكاليف الأعراس عائقًا أمام الشباب، ودافعًا لبعضهم إلى الهجرة بحثًا عن المال الذي يتيح لهم تحقيق شروط القبول الاجتماعي.
وفي المقابل، تتزايد مظاهر الاستهلاك والتفاخر، وتتراجع أحيانًا المعايير الأخلاقية والإنسانية أمام الاعتبارات المادية.
ومن المؤشرات اللافتة على هذا التحول لجوء بعض الفتيات إلى مواقع التواصل الاجتماعي بحثًا عن شريك الحياة خارج الأطر التقليدية، في ظل معايير تختزل الرجل أحيانًا في ثلاث كلمات متداولة: «3V، V8، Virement»؛ أي فيلا، وسيارة فاخرة، ورصيد مالي أو تحويلات مصرفية!
وهكذا أصبح المال، في بعض التصورات الاجتماعية، بطاقة عبور إلى الزواج والوجاهة والقبول.
ووصل الأمر إلى أن بعض الأشخاص يستدينون ملايين الأوقية لإقامة أعراس توهم الآخرين بالثراء، ثم يعيدون الأموال بعد انتهاء الاحتفالات. وهكذا تحول «التفاييش» من قيمة اجتماعية إيجابية إلى مصدر للديون والإرهاق والتفاخر الزائف.
    وحتى إذا التحق المرء بركب رجال الأعمال وأصبح يُعرف محليًا بـ«البطرون»، فإنه لا يجد بالضرورة الطمأنينة التي كان يبحث عنها؛ إذ قد تحيط به مشكلات اجتماعية وأسرية معقدة، من تعدد الزوجات وتوزع الأبناء إلى كثرة العمال والعاملين في ممتلكاته ومؤسساته، بمن فيهم الرعاة والعاملون في المنازل.
    وقد تتجاوز مسؤولياته حدود العمل المعتاد، لتصل إلى متابعة شؤون العامل الخاص، من غذائه وفراشه ودوائه وإقامته، فضلًا عن خصوصيات العلاقة الإنسانية والمهنية بينهما.
    وإذا اختلت الضوابط أو نشأت خلافات، فقد تتحول بعض هذه العلاقات إلى مصدر للضغط والابتزاز، بما يجعلها أشبه بقنبلة موقوتة قابلة للانفجار في أي وقت.!!
لا يمكن فصل هذه التحولات عن تأثير وسائل التواصل الاجتماعي……، يتواصل…

شاهد أيضاً

الملعب الأولمبي بنواكشوط.. مسرح الحياة وتقلبات الزمن/المرابط ولد محمد لخديم

    ليس الملعب الأولمبي بنواكشوط مجرد فضاء لممارسة الرياضة، بل هو مرآة اجتماعية وفلسفية …