الرئيسية / فضاءات / إشكالية ترجمة النصوص المقدسة: القرءان العظيم إلى الفرنسية نموذجا” / عائشة بنت الحسن

إشكالية ترجمة النصوص المقدسة: القرءان العظيم إلى الفرنسية نموذجا” / عائشة بنت الحسن

شاركت تحت إشراف الأستاذ محمد المختار ولد إباه في ترجمة معاني القرآن العظيم ، وهي الترجمة المعتمدة من مجمع الملك فهد بن عبد العزيز للمصحف الشريف بالمدينة المنورة.
إشكالية ترجمة النصوص المقدسة: القرءان العظيم إلى الفرنسية نموذجا”.
يسرني أن أساهم في هذا العدد الافتتاحي من “آفاق فكرية” بملخص عن محاضرة ألقيتها يوم 23 نوفمبر 2010م. بالمركز الثقافي المصري حول “إشكالية ترجمة النصوص المقدسة: القرءان العظيم إلى الفرنسية نموذجا”.
وقد تناولت في مستهل هذه المحاضرة المشاكل المتعلقة بعملية الترجمة حيث يخشى كل مترجم من أن يتهم بالخيانة، فكيف يكون الحال إذا تجرأ على نقل نص مقدس؟
ولا شك أن الإقدام على خطوة خطرة كهذه يجب أن يسبقه الرد على سؤال جوهري: هل تجوز ترجمة النصوص المقدسة أصلا؟
ومن أجل الجواب عن هذا الاستشكال ارتأينا أن نراجع تاريخ ترجمة هذه النصوص، الثلاثة: التوراة والإنجيل والقرآن الكريم.
وقد تبين من خلال هذه المراجعة التاريخية أن نقل النصوص المقدسة قد بدأ في وقت مبكر فترجمت التوراة في القرن الثالث قبل الميلاد إلى الإغريقية من سبعين عالما ونيفا بالإسكندرية. وبدأت ترجمة الإنجيل منذ العهود الأولى وتوجت الجهود في هذا المجال بالنسخة اللاتينية المعروفة بالـ”فلكات” « vulgate » أي المبسطة أو الشعبية والتي تمت في القرن الرابع الميلادي على يد العالم جيروم بطلب من أسقف روما الأول داماس واعتمدت فيما بعد نصا رسميا للكنيسة المسيحية الرومانية.
أما فيما يخص القرآن الكريم فقد كانت أول ترجمة شفهية له تلك التي قام بها جعفر بن أبي طالب لسورة مريم أمام النجاشي ملك الحبشة، كما ترجم سلمان الفارسي في العهد النبوي الشريف الفاتحة وبعض السور القصار إلى الفارسية لقومه المنخرطين حديثا تحت لواء الإسلام.
ومن هذين الحدثين نستنتج أن الجدل المثار حول نقل النص القرآني إلى لغات أخرى لم يجر إلا في حقب لاحقة, فانقسم العلماء والمفكرون بين مؤيد للعملية, نظرا لضرورة توصيل الرسالة إلى المسلمين كافة ومعارض بشدة يتمسك بظاهر معنى الآيات “إنا أنزلناه قرءانا عربيا لعلكم تذكرون” ” قرآنا عربيا غير ذي عوج لعلهم يتقون”، “ولو جعلناه قرآنا أعجميا لقالوا لولا فصلت آياته أعجمي وعربي”.
ومع أن الجميع متفقون في هذا المجال على حرمة إحلال الترجمة محل القرآن الكريم والتعبد بها وعلى استحالة التصدي للإعجاز القرآني عن طريق نقله، فإن من المؤيدين لترجمة المعاني من أجل تبيين العبادات ومبادئ التوحيد الزركشي والشاطبي، والجاحظ, ومن أشد المعارضين لها السيوطي وابن حزم وغيرهما…
وأما إذا أخذنا برأي المؤيدين وانطلقنا من واقع المسلمين اليوم الذي تحرينا فيه الإحصائيات أن العرب يمثلون نسبة قليلة من المسلمين، توجب أن ينهض من هذه الأمة علماء شرفاء مقتدرون يقتحمون ميدانا ظل لمدة طويلة حكرا على المستشرقين يعيثون فيه فسادا، بعض منهم عن حسن نية ٍولكن جهلا باللغة العربية والفنون المتعلقة بتفسير القرآن، وبعض منهم عن سوء نية مبيتة. فكم من مسلم ناطق بالفرنسية يعلم أن أحد أهم المترجمين للقرآن العظيم إلى هذه اللغة قد دس في نصه، بدون أي إشارة أو تعليق الآيات التي يقال: – إن هنالك اتفاق على هذه الواقعة؟ – إن الشيطان نفثها في قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فلا يكفي أن ننتقد الترجمات الأجنبية ونستنكر ما شملت من تحريف لمعاني القرآن الكريم إذا لم نقدم بديلا يشرف عليه علماء أقحاح في اللغة العربية وعلوم التفسير.
ويسرنا في هذا المجال أن نقدم للقارئ ترجمة ناتجة عن جهود موريتانية خالصة تحت إدارة الدكتور محمد المختار ولد أباه، وقد تم اعتماد هذه الترجمة رسميا من مجمع الملك فهد لطباعة وتوزيع القرآن العظيم بالمدينة المنورة. أما فيما يخص أهداف الترجمة فقد تمثلت في نقل معاني القرآن العظيم إلى الناطقين بالفرنسية من خلال لغة جيدة وسهلة المنال في نفس الوقت. فلم يكن هم الفريق إظهار قدراتهم في اللغة بقدر ما كان إيصال المعاني الصحيحة إلى القراء ومن أجل تحقيق هذا الهدف عمد الفريق إلى الأساليب التالية:
• العمل في نطاق جماعي يعمل فيه كل من منطلق تكوينه وخبرته، على فهم النص القرآني أولا (وهي مسؤولية الدكتور محمد المختار ولد أباه أساسا) وعلى التأكد من صحة النص الفرنسي وانسيابيته ثانيا،
• القراءات المتعددة للأجزاء المترجمة والنقاشات المطولة من أجل التوصل إلى المعنى الأقرب للعبارة القرآنية،
• الرجوع إلى أشهر التفاسير في حال صعوبة ترجمة آية أو جزء من آية واعتماد رأي الأغلبية في حال اختلافها. أما إذا تكافأ رأيان حول تفسير ما، فان المترجمين يعتمدون أحدهما ويشيرون إلى الآخر في أسفل الصفحة.
• إضافة بعض الأدوات التي من شأنها أن تعمق معرفة القارئ بعلوم القرآن كفهرس بأهم المواضيع المعالجة، ومقدمات للسور وملحوظات حول بعض الآيات المنسوخة أو بعض الأحداث البارزة كبكاء أبي بكر رضي الله عنه بعد نزول “اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا”. كما تشمل هذه الملحوظات بعض الكلمات التي تستحيل ترجمتها كفواتح السور وبعض الكلمات مثل: بحيرة وسائبة ووصيلة وحام.
وإذا كانت هذه الترجمة قد مكنت ترجمة موريتانية من تبوء مكانتها كترجمة رسمية لمجمع الملك فهد فان ذلك يعود بالتأكيد إلى تبحر قائدها (الدكتور محمد المختار ولد أباه) بالعلوم اللغوية والشرعية والاستعانة بفريق من أساتذة الأدب الفرنسي للحرص على جودة النص النهائي.
فهل يمكن لشخص واحد، مهما كانت قدراته، أن يتصدى لترجمة القرآن الكريم؟!!

بقلم: عائشة بنت الحسن
استاذة اللغة الفرنسية وآدابها بكلية الآداب والعلوم الانسانية جامعة أنواكشوط العصرية؛

شاهد أيضاً

حكاية صورة من الزمن الجميل لمدينة ازويرات!!/ المرابط ولد محمد لخديم

الصورة هي ميدان التأمل والفكر ومتابعة تفاصيلها يشعرك كأن شريطا سينمائياً يمر امامك في لحظة… …

اترك رد