لتقريب معنى الروح يجدر بنا الالمام بهذا المفهوم في الفكر البشري قديمه وحديثه؛
مفهوم الروح في الفكر البشري عبر العصور:
يمثل مفهوم الروح أحد أكثر المواضيع تعقيدًا في الفكر البشري، سواء القديم أو الحديث. ومع أن العلم الحديث يعجز عن إدراك كنه الروح، نظرًا لمحدودية العقل البشري في التعامل مع ما هو خارج نطاق التجربة الحسية، فإن الفلسفات والديانات المختلفة سعت لتقديم تفسيرات متنوعة لهذا المفهوم.
الروح بين الفلسفات والاعتقادات:
يرى البعض أن الروح كيان مستقل ذو طبيعة معنوية غير ملموسة، فيما يعتبرها آخرون مادة أثيرية أصيلة تميز الكائنات الحية. وتؤكد بعض الفلسفات والديانات أن الروح مخلوقة من جوهر فريد لا نظير له، وهي أساس الإدراك والوعي والشعور. وتختلف الآراء حول العلاقة بين الروح والنفس؛ فهناك من يرى أن النفس تمثل اتحاد الروح والجسد، بينما يرى آخرون أن النفس قد تفنى، في حين تبقى الروح خالدة بعد الموت.
مفهوم الروح عند الفلاسفة
أفلاطون: اعتبر الروح جوهر الإنسان ومحركه الأساسي، وقسمها إلى ثلاثة أجزاء متناغمة: العقل، والنفس (المتطلبات العاطفية)، والرغبة (المتطلبات الجسدية)، حيث شبّه الروح بعربة تجرها قوتان هما النفس والرغبة، بينما يمسك العقل بزمام التوازن.
أرسطو: رأى أن الروح ليست كيانًا مستقلاً، بل هي مرادفة للكينونة ذاتها، تمامًا كما أن عملية القطع هي “روح” السكين. وبهذا لم يعتبر الروح شيئًا خالداً، بل تفنى بفناء الجسد.
ديكارت: أكد على وجود ثنائية بين الروح والمادة، لكنه أقرّ بأن طريقة تواصلهما غير معروفة، مشيرًا إلى أن ذلك من آيات الخالق.
ليبنز: اعتبر أن الكون مكون من ذرات روحية مستقلة تسيّرها إرادة الله، وتبدو مترابطة رغم أنها لا تتصل فعليًا ببعضها.
إيمانويل كانط: رأى أن محاولة فهم الروح تنبع من رغبة العقل البشري في تكوين تصور شامل عن طريقة تفكيره.
الروح في المعتقدات القديمة
الروح عند المصريين القدماء:
قسّم المصريون القدماء الروح إلى سبعة أجزاء:
1. رين: الاسم الذي يُمنح عند الولادة.
2. سكم: الطاقة المرتبطة بحيوية الشمس.
3. با: عنصر يميز شخصية الإنسان.
4. كا: القوة المحركة للحياة، وتُعتبر مغادرتها للجسد سبب الموت.
5. آخ: الشبح الناتج عن اتحاد “كا” و”با” بعد الموت.
6. آب: قطرة من قلب الأم.
7. شوت (خيبت): ظل الإنسان.
الروح في البوذية:
ترى البوذية أن كل شيء في حالة تغير مستمر، وترفض فكرة كيان ثابت وخالد يُسمى الروح، معتبرة ذلك وهمًا يؤدي إلى الصراع الداخلي والاجتماعي. وتقسم الوجود إلى خمسة عناصر:
1. الهيئة (الجسد)
2. الحواس
3. الإدراك
4. الكرما (الأفعال وعواقبها)
5. الضمير
وترى البوذية أن الإنسان يتغير مع كل لحظة، وأن التحرر النهائي (النيرفانا) يتحقق بكسر دورة الحياة والتناسخ، عبر التخلص من الشهوة، الحقد، والجهل.
الروح في الهندوسية:
تسمى الروح في الهندوسية “جيفا” (Jiva)، وهي كينونة خالدة منفصلة عن الجسد. وتُعتبر “مايا” القيم الجسدية والمعنوية المؤقتة، فيما يمثل “أتمان” (Atman) الجوهر الروحي الخفي في الإنسان، والذي يراه البعض جزءًا من “براهما” (الخالق الأعظم).
يختلف الهندوس حول مصير الروح:
يرى أتباع أدفايتا أنها ستتحد في النهاية مع براهما.
بينما يعتقد أتباع دفايتا أن الروح مستقلة عن براهما، رغم أنها تعتمد على وجوده.
الروح والموت:
يرى البعض أن خروج الروح من الجسد هو الموت، بينما يعتقد آخرون أن الروح تُقبض خلال النوم دون أن تنفصل نهائيًا عن الجسد. وتبقى قضية الروح ومصيرها موضع جدل دائم بين الفلاسفة والديانات، حيث تتباين التفسيرات بين التصورات الدينية، الفلسفية، والعلمية حول طبيعتها ووظيفتها ومصيرها بعد الموت.
مفهوم الروح في الديانات السماوية: …يتواصل…..