أولًا: مفهوم الروح في اليهودية:
لم تقدم التوراة أو الأناجيل تعريفًا دقيقًا للروح، لكنها استخدمت المصطلح بأوصاف متعددة ذات دلالات أخلاقية ومعنوية، مثل:
الروح الشريرة: وتشير إلى الشيطان.
الروح الرّديئة: التي تسبب الفُرقة بين الناس.
الروح الخفية: التي تشير إلى الملائكة.
الروح القدس: التي تُنسب إلى الله.
يتضح هذا المفهوم عند مقارنة النصوص الدينية، حيث نجد أن اليهودية تميّز بين نوعين من الأرواح:
1. روح الخير: وتُسمى “روح الحق” أو “روح الله”، وهي مصدر الهداية والفضيلة، كما ورد في:
إنجيل يوحنا: “روح الحق الذي لا يستطيع العالم أن يقبله” (يوحنا 14:17).
سفر العدد: “ياليت كل شعب الرب كانوا أنبياء إذ جعل الرب روحه عليهم” (العدد 11:29).
سفر أشعيا: “ويحل عليه روح الرب” (أشعيا 11:1).
2. روح الشر: وتُعرف بـ”روح الضلال” أو “الروح النجس”، وتُعتبر مصدر الفساد والشر، كما جاء في:
رسالة يوحنا الأولى: “من هذا نعرف روح الحق وروح الضلال” (يوحنا 1:6).
إنجيل لوقا: “وكان في المجمع رجل به روح شيطان” (لوقا 4:33).
رؤيا يوحنا: “فإنهم أرواح شيطان” (رؤيا 16:14).
بالإضافة إلى هذين التصنيفين، نجد أن اليهودية تشير إلى “الروح الصالحة” التي تقابلها “روح الكذب والضلال”، كما ورد في:
المزامير: “وروحك الصالح يهديني” (مزمور 143:10).
سفر دانيال: “من حيث أن روحًا فاضلة وجدت في دانيال” (دانيال 5:12).
سفر القضاة: “وأرسل الرب روحًا رديئًا بين أبيمالك وأهل شكيم” (القضاة 9:23).
الروح في الفكر اليهودي الفلسفي:
وفقًا للفيلسوف اليهودي سعيد بن يوسف الفيومي (882-942م)، فإن الروح هي جوهر الإنسان المسؤول عن التفكير والرغبة والعاطفة. وفي كتاب كابالا (Kabbalah)، تم تقسيم الروح إلى ثلاثة مستويات:
1. نفيش (Nefesh): الطبقة السفلى المرتبطة بالغريزة الجسدية، وهي موجودة منذ الولادة.
2. روخ (Ruach): الطبقة الوسطى التي تنظم المبادئ الأخلاقية وتميّز بين الخير والشر.
3. نيشامة (Nushamah): الطبقة العليا التي تميز الإنسان عن بقية الكائنات الحية.
رغم هذه التصورات، ظل مفهوم الروح عند اليهود محاطًا بالغموض، بدليل أنه عندما جاء النبي محمد ﷺ، سأل اليهود عنه لاختباره، فجاء الرد في القرآن: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ (الإسراء: 85).
ثانيًا: مفهوم الروح في المسيحية:
في مجمع القسطنطينية الأول عام 381م، ناقش كبار الأساقفة مفهوم الروح القدس. قدّم بطريرك الإسكندرية تفسيرًا أصبح عقيدة مسيحية، مفادها:
“الروح القدس ليس شيئًا منفصلًا عن روح الله، بل هو ذاته. فإذا قلنا إنه مخلوق، فهذا يعني أن روح الله مخلوقة، وإذا كان كذلك، فهذا يعني أن الله غير حي، وهذا كفر.”
إلا أن مقارنة النصوص الدينية تكشف عن مفهوم أوسع للروح في المسيحية، حيث استخدم اليهود والرومان مصطلح “الروح” بمعانٍ متعددة تشمل:
“شراب روحي”، “طعام روحي”، “زرع روحي”، في العهد القديم.
“بيت روحي” في رسالة بطرس الأولى (2:5).
“لا تصدقوا كل روح، بل امتحنوا الأرواح هل هي من الله؟” في رسالة يوحنا الأولى (4:1).
يتبين من ذلك أن المسيحية، رغم اعتمادها تفسيرًا لاهوتيًا للروح، ورثت عن اليهودية استخدامًا أوسع يشمل الجوانب المادية والروحية معًا.
يتضح من النصوص أن مفهوم الروح في اليهودية والمسيحية يحمل معاني متعددة، تشمل الخير والشر، والمادة والروحانية، كما تأثر بتفسيرات فلسفية ودينية عبر الزمن.
على الرغم من محاولات تحديد ماهية الروح، ظلت من الغيبيات التي لا يمكن الوصول إلى حقيقتها إلا من خلال الوحي الإلهي.
مفهوم ااروح في الاسلام…..يتواصل…
