
كيف صنع القرآن أمةً من لهجات؟!
لم تكن العربية قبل الإسلام كتلةً لغويةً صمّاء، بل كانت فسيفساء من لهجاتٍ تتباعد أحيانًا حتى يكاد أهلها لا يتفاهمون. تعددت الأصوات وتنوّعت الألفاظ، وكاد التباين يفتح الطريق أمام تشظّي اللغة الواحدة إلى لغاتٍ متجافية
فقد كانت كل قبيلة تختلف في النطق عن الأخرى بوجوه من الاختلافات كثيرة، حتى باعد ذالك بين ألسنة العرب وأوشك أن يحول اللغة الواحدة إلى لغات عدة متجافية لا يتفاهم أهلها ولا يتقارب أصلها. ولقد بلغ من تخالف هذه اللهجات وتباعدها، أن كثيرا من وفود هذه القبائل التي أخذت تفد في صدر الإسلام إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يلقون كلمات وخطب لا يكاد يفهمها القرشيون من أصحابه عليه الصلاة والسلام ولقد قال علي رضي الله عنه لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد سمعه يخاطب بني نهد:
يا رسول الله، نحن بنو أب واحد، ونراك تكلم وفود العرب بما لم نفهم أكثره! .. فقال عليه الصلاة والسلام :” أدبني ربي فأحسن تأديبي”(18)
غير أنّ حدثًا مفصليًا أعاد ترتيب المشهد من جذوره: نزول القرآن الكريم..
حين نزل القرآن بلسان قريش، لم يكن مجرّد نصّ ديني، بل كان معيارًا لغويًا أعلى، اجتمعت عليه القبائل فسمعته وتدارسته وحفظته. ومع التلقي الجماعي والانتشار الواسع، بدأت اللهجات تتقارب، وراحت الفوارق تذوب أمام نموذج بيانيّ جامع(19). لقد تحوّلت العربية من لهجاتٍ متنافرة إلى لغةٍ معيارية، قوامها البيان القرآني وإيقاعه ونظامه.
إنّ هذا التحوّل لم يكن قسرًا سياسيًا ولا قرارًا إداريًا، بل كان تفاعلًا ثقافيًا وروحيًا عميقًا: نصٌّ يُتلى آناء الليل وأطراف النهار، يُحفظ في الصدور، ويُكتب في السطور، ويُحتكم إليه في الفهم والتشريع. ومن هنا نشأ “الشريان” الذي ضخّ في العربية حياةً متجددة، فاشتدّ عودها بعد وهن، وتماسكت بعد تفرّق.
سرّ البقاء في زمن الأفول
التاريخ اللغوي يحدّثنا عن لغاتٍ عظيمة خبا نورها أو انحسر سلطانها، مثل اللغة اللاتينية التي كانت يومًا وعاء حضارةٍ كبرى ثم آلت إلى لغةٍ تراثية. أما العربية فبقيت حيّةً نابضة، تتجدد في الاستعمال، وتتسع للعلوم والآداب.
فما هو سرّ هذا البقاء؟
الجواب الذي ينهض به هذا التصوّر أنّ العربية اقترنت بنصٍّ مؤسِّسٍ ذي قداسةٍ مستمرة التداول؛ نصٍّ لا يُقرأ بوصفه أثرًا أدبيًا فحسب، بل يُتعبّد بتلاوته، ويُحتكم إليه في القيم والمعاني.
إنّ الارتباط العضوي بين اللغة والقرآن جعل العربية أكثر من أداة تواصل؛ جعلها وعاء هويةٍ ورسالة.
من هذا المنطلق فهم بعض العلماء، وفي طليعتهم ابن تيمية، أنّ تعلّم العربية ليس ترفًا ثقافيًا، بل وسيلةٌ لازمة لفهم الدين؛ وما لا يتمّ الواجب إلا به فهو واجب. فالمعرفة الدينية، في نظره، مشروطةٌ بسلامة الفهم اللغوي، لأن النصّ المؤسِّس عربيّ اللسان.
غير أنّ الحجة لا تقف عند حدود الفقه، بل تمتدّ إلى أفقٍ حضاري أوسع: فاللغة التي توحّد الخطاب وتضبط المفاهيم تصنع أرضيةً مشتركة للحوار والإنتاج العلمي.
وهكذا غدت العربية جسرًا يلتقي عليه الناطقون بها وغير الناطقين، داخل رقعةٍ جغرافيةٍ واسعة امتدت من أطراف آسيا إلى شمال إفريقيا.
عالمية العربية من عالمية الإسلام
إنّ عالمية العربية ليست معطًى عرقيًا، بل ثمرةُ انفتاحٍ دينيّ وثقافي. فقد دخلت شعوبٌ مختلفة الألسن في الإسلام، فتبنّت العربية وأتقنتها، بل وأبدعت بها. ومن الشواهد البارزة أسماء لامعة في الفلسفة والطب والحديث واللغة، مثل:
الرازي،ابن سينا،الفارابي،الغزالي،البيروني،سيبويه،الطبري،
البخاري.
هؤلاء لم يكونوا عربًا بالضرورة، لكنهم صاروا عربًا باللسان والثقافة، فدلّ ذلك على أنّ العربية تحوّلت إلى لغة حضارةٍ جامعة، لا لغة قومٍ بعينهم.
إذا كانت العربية قد توحّدت بالقرآن، وامتدّت بامتداد الإسلام، فإنّ دراسة أدبها دون استحضار روحها القرآنية تبقى دراسةً مبتورة.
فالأدب ليس ألفاظًا منسوجة، بل هو تجلٍّ لنسقٍ قيميّ وروحيّ تشكّل في حضن النصّ المؤسِّس.
وعليه، فإنّ الدفاع عن مركزية العربية ليس حنينًا إلى ماضٍ منصرم، بل هو وعيٌ بأنّ اللغة التي حملت رسالةً كونية ما تزال قادرةً على حمل مشروعٍ معرفيّ جديد، متى استعاد أهلها الثقة بروحها، وأدركوا أن وحدتها التاريخية كانت ثمرة رسالة، وأن خلودها مشروط بوعي تلك الرسالة وتجديدها في الواقع…..يتواصل….
ملاحظة: اجعل لنفسك مشروع دعوة: فالدعوة اليوم مسؤولية الجميع، ولكل شخص دوره حسب موقعه وقدرته.
آفاق فكرية بحث، معرفة، تبادل ثقافي