الملاحدة الجدد وأزمة المرجعية: من صراع الحضارات إلى سؤال الأخلاق!! (الحلقة السابعة)/ المرابط ولد محمد لخديم

 


 هل أعاد العلم الحديث سؤال الخالق إلى الواجهة؟
   لم يعد من الممكن الحديث عن “مادة صلبة” بالمعنى الذي ترسّخ في الذهنية العلمية خلال القرن التاسع عشر.( 16) فقد كشفت الفيزياء الحديثة (17) أن ما نظنه كتلةً متماسكة ليس إلا بناءً معقّدًا يتفكك إلى جزيئات، ثم إلى ذرات، ثم إلى جسيمات دون ذرّية، وصولًا إلى طاقة وإشعاع. هذا التحوّل لم يكن مجرّد تقدّم تقني في أدوات التحليل، بل مسّ الأساس الفلسفي الذي قامت عليه النزعة المادية الصارمة.
لقد أشار الفيلسوف البريطاني برتراند راسل (18)إلى أن خصائص العالم الطبيعي لم تعد تختلف – في عمقها وغموضها – عن خصائص العالم العقلي.
    فالعالم الذي بدا يومًا بسيطًا ومباشرًا، أصبح شبكة علاقات واحتمالات، تتراجع فيها البداهة لتحلّ محلها الأسئلة. وهنا يبرز سؤال جوهري: إذا كانت المادة نفسها قد فقدت صلابتها المفهومية، فهل يبقى من المقبول اختزال الوجود في التفسير الكمّي وحده؟
   إنّ الحوار المنسوب إلى الفيزيائي الكبير ألبرت أينشتاين يعكس هذا الوعي بحدود العقل. فقد شبّه الإنسان بطفلٍ يدخل مكتبة عظيمة، يدرك أن كتبها مرتّبة وفق نظام، ويعلم أن مؤلفًا ما كتبها، لكنه يعجز عن فهم لغاتها أو الإحاطة بسرّها(19). إنّ المثال لا يدّعي معرفة ماهية الخالق، لكنه يرسّخ فكرة أن إدراك النظام لا يعني استيعاب حقيقته كاملة. وهكذا، يصبح الاعتراف بالحدود شرطًا من شروط الحكمة.
    لقد ساد في ستينيات القرن الماضي اعتقادٌ لدى بعض المفكرين بأن تقدّم العلم سيغني البشرية عن فكرة الإيمان. غير أنّ تطورات علم الكونيات – ولا سيما ما يتصل بنشأة الكون ودقّة ثوابته الفيزيائية – أعادت طرح السؤال بدل دفنه. فالفيلسوف البريطاني أنطوني فلو، الذي كرّس عقودًا للدفاع عن الإلحاد، انتهى إلى مراجعة موقفه وأعلن قناعته بوجود إله في كتابه There Is a God، معتبرًا أن معطيات العلم المعاصر(20) تفرض إعادة النظر في المسلّمات القديمة.
      كما عبّر عالم الفلك فريد هويل عن دهشته من الضبط الدقيق للثوابت الكونية، ورأى الفيزيائي بول ديفيز أن قوانين الطبيعة تثير تساؤلًا مشروعًا حول مصدرها، بينما أكّد عالم الرياضيات في أكسفورد جون لينوكس أن ازدياد المعرفة بالكون لا يضعف الإيمان، بل يمنحه أفقًا أوسع(21). وحتى النقاشات التي أثارها الفيزيائي ستيفن هوكينغ في كتابه A Brief History of Time حول بداية الكون، أعادت إلى الواجهة سؤال “البداية” و”السبب الأول”.
    غير أن الإنصاف يقتضي التمييز بين العلم بوصفه منهجًا لدراسة الظواهر، والفلسفة بوصفها إطارًا لتأويل نتائج ذلك المنهج. فالعلم في ذاته لا يثبت الإيمان ولا ينفيه، لكنه يكشف حدود التفسير المادي حين يُراد له أن يكون شاملًا لكل شيء. إنّ الخلاف الحقيقي لا يكمن في المعطيات العلمية بقدر ما يكمن في زاوية النظر إليها: هل تُقرأ باعتبارها مكتفية بذاتها، أم باعتبارها مؤشرات على نظام أعمق؟
     لقد ظنّت النزعة المادية أن تفكيك المادة سيقود إلى إقصاء المعنى، غير أن المفارقة تكمن في أن هذا التفكيك نفسه كشف عن انتظامٍ أدقّ وأعجب. وهكذا، لم يُنهِ التقدّم العلمي سؤال الخالق، بل أعاده إلى النقاش بصيغة أكثر عمقًا ونضجًا. فالإنسان، كلما ازداد معرفةً بتفاصيل الكون، ازداد وعيًا بحدود إدراكه، وأدرك أن وراء النظام سؤالًا مفتوحًا لا يُختزل في معادلة، ولا يُلغى بتجربة مخبرية.
    إنّ العلم الحديث لم يغلق باب الميتافيزيقا، بل أعاد فتحه على مصراعيه. وبين يقين المختبر وتأمّل الفيلسوف، يبقى سؤال الوجود حاضرًا، لا بوصفه عائقًا أمام المعرفة، بل أفقًا يوسّعها ويمنحها معناها….يتواصل….
ملاحظة: اجعل لنفسك مشروع دعوة: فالدعوة اليوم مسؤولية الجميع، ولكل شخص دوره حسب موقعه وقدرته.

شاهد أيضاً

مع القرآن لفهم الحياة (الحلقة السادسة)/المرابط ولد محمد لخديم

    ولو تتبعنا تطوّر اللغة العربية في العهد الإسلامي، لوجدنا أن مبناها ومعناها قد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *