الملاحدة الجدد وأزمة المرجعية: من صراع الحضارات إلى سؤال الأخلاق!! (الحلقة التاسعة)/المرابط ولد محمد لخديم

 الإنسان بين الاختزال المادي وحاجته الفطرية إلى المعنى
    شهد الفكر الغربي الحديث تحولات عميقة أعادت تشكيل صورة الإنسان والكون معًا. فقد تمظهر هذا التحول في ميادين متعددة؛ ففي علم الفيزياء ظهرت الرؤية التحليلية الرياضية للكون مع جاليليو جاليلي، حيث صار العالم يُقرأ بلغة الأرقام والمعادلات. وفي الفلسفة تجلت هذه الرؤية مع رينيه ديكارت الذي ميّز بين الفكر والامتداد، وأرسى تصورًا للعقل بوصفه أداة للسيطرة على الطبيعة وتسخيرها. أما اجتماعيًا، فقد انعكس ذلك في النمط الليبرالي الحديث، الذي يميل إلى بناء واقع يعامل الذات الإنسانية في حدودها الجسدية والمادية(24).
    وفي السياق نفسه، سعى منظّرو الرأسمالية في خطابهم الفكري إلى اختزال الدوافع الإنسانية، حتى تلك التي تتجاوز المجال الاقتصادي، في نطاق الرغبات الجسدية. وهكذا تحولت الأشواق الإنسانية المتعددة – الروحية والأخلاقية والمعرفية – إلى مجرد امتدادات لرغبة اقتصادية في جوهرها.
     وقد عبّر عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر عن هذا التحول حين حلّل في كتابه الشهير الأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية شخصية روبنسون كروزو، فرأى فيها نموذجًا مكثفًا لما يمكن تسميته «الإنسان الاقتصادي»، أي الإنسان الذي تحكمه حسابات الإنتاج والربح والعمل. ومن خلال هذه القراءة يصبح هذا النموذج أحد المحددات الأساسية للحضارة الرأسمالية الحديثة.
    غير أن اختزال الإنسان في هذا البعد المادي يثير إشكالًا فلسفيًا عميقًا. فالإنسان، بفطرته، ليس مجرد كائن يعيش وجوده البيولوجي، بل هو – قبل ذلك – كائن يسعى إلى فهم الوجود وإضفاء المعنى عليه. وحتى على مستوى حياته الفردية، لا يكتفي الإنسان بمجرد العيش، بل يحرص على أن يمنح وجوده دلالة وقيمة. ومن هنا يصبح إنتاج المعنى حاجة ملازمة لكينونة الإنسان لا يمكن تجاهلها أو اختزالها في الدوافع الاقتصادية.
     وقد أدرك بعض نقاد العقلانية الغربية هذا المأزق، فلفتوا الانتباه إلى أن تحليل الوضع الإنساني يظل ناقصًا إذا أغفل البعد المعنوي والروحي في التجربة الإنسانية(25).
وفي سياق البحث عن المعنى يبرز الدين بوصفه أحد أهم المصادر التي حاول الإنسان من خلالها تفسير الوجود.
غير أن دراسة تاريخ الأديان تكشف عن مصطلح إشكالي كثير التداول، هو مصطلح «الأصولية». فهذا المفهوم يختلف تعريفه من دين إلى آخر، بل ومن مدرسة فكرية إلى أخرى.
ففي بعض الأدبيات الغربية يُعرَّف بأنه محاولة لتكييف الدين مع متطلبات العصر الحديث، بينما يرى آخرون أنه يعني العودة إلى المصادر الأولى للعقيدة وإحيائها. وقد تتخذ هذه العودة صورتين مختلفتين: الأولى تسعى إلى فهم الوحي واستيعاب مقاصده في ضوء متغيرات العصر، والثانية تقتصر على الالتزام الحرفي بالنصوص ورفض أي تأويل جديد لها.
     ومن اللافت أن مصطلح Fundamentalism (26) نفسه نشأ في سياق غربي خاص؛ فقد استُخدم في الولايات المتحدة خلال القرن التاسع عشر لوصف التيارات البروتستانتية التي أكدت العصمة الحرفية للإنجيل، خصوصًا في ما يتعلق بقصة الخلق، ورفضت النظريات العلمية التي بدت لها متعارضة مع النص الديني، مثل نظرية التطور التي طرحها تشارلز داروين. كما نجد مواقف مشابهة لدى بعض التيارات اليهودية التي تؤكد العصمة الحرفية للتوراة.
أما في السياق الإسلامي،….يتواصل….
ملاحظة: اجعل لنفسك مشروع دعوة: فالدعوة اليوم مسؤولية الجميع، ولكل شخص دوره حسب موقعه وقدرته.

شاهد أيضاً

الملاحدة الجدد وأزمة المرجعية: من صراع الحضارات إلى سؤال الأخلاق!! (الحلقة السابعة)/ المرابط ولد محمد لخديم

   هل أعاد العلم الحديث سؤال الخالق إلى الواجهة؟    لم يعد من الممكن الحديث …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *