هل تنجح التجربة الإماراتية في إنهاء أزمة غلاء المهور بموريتانيا؟/المرابط ولد محمد لخديم

    تُعدّ تجربة الزواج الجماعي، التي تتبناها بعض الدول العربية والإسلامية، من المبادرات الاجتماعية الهادفة إلى تيسير الزواج ومواجهة تكاليفه المتزايدة، في ظل غلاء المهور وارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية.
    فهل يمكن أن تتحول التجربة الإماراتية في تنظيم الزواج الجماعي بموريتانيا إلى نموذج يُحتذى؟ وهل تشجّع هذه المبادرة الدولة الموريتانية على تبنّي التجربة وتطويرها، بما يساعد الشباب على الزواج ويخفف الأعباء الاجتماعية والاقتصادية عنهم؟
    لفت انتباهي اليوم خبر تنظيم الهلال الأحمر الإماراتي زواجًا جماعيًا في موريتانيا، شمل أربعين شخصًا من الرجال والنساء، نصفهم من ذوي الاحتياجات الخاصة والمكفوفين في قرية دالي كمبه بالحوض الشرقي. وقد أعاد هذا الخبر إلى ذاكرتي دعوات ومبادرات طالما طرحتها منذ سنوات لتشجيع الزواج الجماعي، في ظل غلاء المهور، وتدني الرواتب، وتزايد عزوف الشباب عن الزواج.
    لقد تناولت هذه الإشكالات في مقالات عديدة، من بينها: «تداركوا المجتمع الموريتاني قبل فوات الأوان!»، و«هل دفعت المرأة الموريتانية ثمن حريتها النسبي؟»، و«عندما تتكلم المرأة الموريتانية في المحظور اجتماعيًا!»، و«من قرار منع رمي النقود إلى مراجعة بنية المجتمع الموريتاني». كما سبق أن دعوت رئيسًا سابقًا إلى تزويج عشرات الشباب والشابات بالتزامن مع زواج ابنه، دون أن تلقى المبادرة استجابة.
واليوم، تبدو فرصة الإصلاح أكثر واقعية، خاصة بعد هذه المبادرة الإماراتية التي تمثل تجربة تستحق الدراسة والاقتداء، بالتزامن مع قرار منع رمي الأوراق النقدية في الحفلات، الذي أراه خطوة مهمة لمحاربة البذخ والإسراف والتباهي، وإعادة الاعتبار للقيم والكرامة العامة. وقد لمست بنفسي جدية تطبيق هذا القرار داخل قاعات الحفلات.
    وأثناء إعدادي تحقيقًا حول هذه الظاهرة، كشفت لي بعض الأسر الفقيرة أنها كانت تجمع الأموال خصيصًا لرميها في الأعراس والتباهي بكثرتها، بل إن بعضها كان يضطر إلى الاستدانة لمجاراة هذه العادة وما تفرضه من أعباء مالية واجتماعية.
     مإن مبادرة الهلال الأحمر الإماراتي تطرح سؤالًا جوهريًا: لماذا لا تتبنى الدولة الموريتانية برنامجًا وطنيًا لتيسير الزواج وتشجيع الزواج الجماعي، في وقت تتفاقم فيه العنوسة وتتزايد فيه ظاهرة عزوف الشباب عن تكوين الأسر؟
لكن الإصلاح المنشود لا ينبغي أن يقتصر على معالجة المظاهر، بل يتطلب فهم جذورها التاريخية والاجتماعية، ومراجعة بعض آثار النظام القبلي وفقه البداوة، وما كرّساه أحيانًا من منطق القوة والنفوذ على حساب العدل والمساواة ومفهوم الدولة الحديثة.
     كما أن التداخل بين الموروث الاجتماعي والاجتهادات الفقهية القديمة والقوانين الوضعية يستدعي مراجعة علمية جادة، تستند إلى مقاصد الشريعة ومتطلبات المواطنة وتحولات العصر. ولعل ذلك يقتضي إنشاء هيئة علمية عليا تضم علماء ومفكرين ومتخصصين في المجالات الشرعية والاجتماعية والقانونية، تتولى دراسة هذه الإشكالات واقتراح الحلول المناسبة.
     فبناء الدولة الحديثة لا يتحقق بالمشاريع والمنشآت وحدها، وإنما يحتاج أيضًا إلى إصلاح فكري وأخلاقي واجتماعي، يحارب العصبية القبلية والبذخ وثقافة الاستهلاك، ويعزز قيم المواطنة والعدل والمساواة.
     إن قرار منع رمي النقود ومبادرة الزواج الجماعي ينبغي ألا يظلا مجرد إجراءين منفصلين أو مناسبتين عابرتين، بل يجب أن يشكّلا مدخلًا لمشروع وطني متكامل يجمع بين القانون والفقه والتربية والإصلاح الاجتماعي، ويجعل إصلاح الدولة والمجتمع مسارًا واحدًا نحو موريتانيا أكثر عدلًا وتماسكًا.
   فهل نغتنم هذه الفرصة، ونحوّل المبادرات الخارجية إلى تجربة وطنية مستدامة، ونجعل من تيسير الزواج مدخلًا لإصلاح اجتماعي أوسع، قبل فوات الأوان؟

شاهد أيضاً

المجتمع الموريتاني كما عرفته: بين قيود العرف وتحولات المجتمع.. هل آن أوان المراجعة؟/ المرابط ولد محمد لخديم

  …..من السحوة والتبراع إلى البذخ والتفاييش.. مجتمع يبحث عن نفسه….?!     انتقل المجتمع …