الرئيسية / فضاءات / موضوع للنقاش: نساء خارقات ح:1/ بقلم:د. عائشة بنت محمد عبد الله، أستاذة اللغة الفرنسية وآدابها جامعة انواكشوط العصرية.

موضوع للنقاش: نساء خارقات ح:1/ بقلم:د. عائشة بنت محمد عبد الله، أستاذة اللغة الفرنسية وآدابها جامعة انواكشوط العصرية.

تعريفنا هنا للمرأة الخارقة مأخوذ عن القصة المشهورة للرجل الخارق ذي القدرات المذهلة. فهل يوجد في العالم الحقيقي رجال ـ أو نساء – بهذه المواصفات؟ إذا كان بالإمكان الجواب بنعم فإن الأمر سينطبق لا محالة على النساء العاملات.فإشكالية التوفيق بين المتطلبات المهنية و الواجبات الأسرية لازالت مطروحة بإلحاح في جميع المجتمعات وإن حاولت بعض نظريات المساواة المتطرفة تجاهلها.
وإذا كانت الإشكالية قد استعصت على الحل في المجتمعات المتقدمة التي توفر للمرأة كافة الوسائل المساعدة على انجاز جميع المهام، فماذا هو الحال برأيكم بالنسبة للمرأة الموريتانية التي لا تتوفر لديها هذه الوسائل وتواجه ظروفا خاصة بالمجتمع القبلي الذي يسود فيه مفهوم العائلة الواسعة وما يترتب عليه من واجب العيادة والمواساة والمشاركة في الأفراح؟ قد يرد علي البعض بالقول إن المرأة الموريتانية العاملة تستفيد، على خلاف غيرها، من البعد التضامني في المجتمع التقليدي خصوصا في ما يتعلق برعاية الأطفال. وأنا طبعا أثمن هذا البعد ولكن معطى جديدا قد طرأ عليه، فنحن نرى الآن ربات أسر، سواء كن نساء عاملات أو فتيات في طور الدراسة يواجهن حقيقية عمل أمهاتهن. فما هو الحل بالنسبة لهن؟
من أجل توضيح السبب الرئيسي وراء طرحي لهذه المسألة، أود أن أؤكد أنني لا أسعى طبعا إلى تثبيط الهمم في ما يخص تعليم البنات وتمكينهن من كافة أنواع الوظائف الإدارية والسياسية بل على العكس، أرجو أن تكتمل هذه السياسات دون إغفال خصوصية النساء، وبالتحديد الموريتانيات منهن.
فخوفنا أن يؤدي لا قدر الله تجاهلنا لقضية تعدد مهام النساء وضعية من التذبذب :”لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء”، فلا العمل ينجز كما ينبغي ولا الواجبات الأسرية والاجتماعية تؤدى على الوجه المطلوب.
ويؤسفني جدا أن أعترف أنني لا أملك حلولا جاهزة لهذه المشكلة لذلك أتوجه إلى قراء جريدة “آفاق فكرية” لكي يثري الجميع هذا النقاش الحيوي، فنحن نريد جميعا نساء نشطات، مساهمات بصفة فعالة في مسيرة الوطن التنموية، ولكننا نريدهن في نفس الوقت ربات أسر مسؤولات.. ومندمجات في محيطهن الاجتماعي .

وكما أسلفت، فان هذه الأهداف السامية لن تتحقق إلا إذا واجهنا المشكلة بشجاعة وصراحة، وقد ارتأيت في هذا الصدد سرد بعض الشهادات الحية اخترت منها نموذجين متباينين يمثل كل منهما عينة من النسوة الموريتانيات العاملات.
القصة الأولى
– وقد أثرت في كثيرا إذ كنت شاهدة عيان على الواقعة – تخص عاملة بسيطة في دائرة حكومية وصلت ذات يوم متأخرة قليلا إلى محل عملها فعنفها مسئولها المباشر، فاغرورقت عيناها بالدموع والتفتت إلي متلمسة عطفي و تفهمي كامرأة، هامسة بصوت مبحوح إن ضيوفا أيقظوها الليلة الماضية في ساعة متأخرة قادمين من داخل البلاد، حاملين معهم مريضا فاضطرت في ذلك الوقت لتحضير وجبة عشاء لهم ثم هجعت قليلا لتستيقظ باكرا من أجل إعداد الفطور لمن سيصطحبون المريض لإجراء الفحوصات، وهو ما أدى بها إلى التأخر، ناهيك عن زحمة المواصلات.
و نحن طبعا كمجتمع مسلم نشجعها على هذه الوقفة الإنسانية التي تندرج في إطار واجباتها العائلية والاجتماعية، ولكن هل تفهم رئيسها ذلك؟ وهل تكبد عناء سؤالها عن سبب تأخرها قبل تعنيفها؟ مع أن المسكينة أكدت لي أنها لم تقصر يوما في أداء مهامها، وذلك مقابل راتب لا يتجاوز واحدا و عشرين ألف أوقية شهريا. فأي حل تقدمون سيداتي سادتي القراء لهذه السيدة التي تريد أن تبقى مضيافة وراعية لبيتها و أطفالها و مشاركة في أحداث مجتمعها و محافظة في نفس الوقت على وظيفتها التي تحقق من خلالها ذاتها ولو مقابل أجر زهيد يذهب جله في أجرة النقل؟
القصة الثانية من واقع مختلف ولكنني متأكدة من أن الجميع يشاهدونه في محيطهم المباشر. هذه فتاة تفوقت في دراستها وحصلت على فرصة المواصلة في دولة غربية وقد عرضت عليها في هذه الدولة وظيفة مغرية إلا أنها آثرت الرجوع إلى وطنها وحسنا فعلت فقد أسست أسرة و حصلت على وظيفة في إحدى أكبر المؤسسات المحلية. و نظرا لنوعية تكوينها، فقد قدمت لها المؤسسة ظروفا مرضية. ما من مشكلة حتى الآن. بدأت المشكلة عندما أصبحت الفتاة ربة أسرة و أنجبت لله الحمد أطفالا أصبح أكبرهم في سن الدراسة، دون إغفال الارتباطات الاجتماعية التي أسهبنا في ذكرها من قبل. ونظرا لخبرتها وللطابع التجاري للمؤسسة التي تعمل بها، فإن أوقات عملها غالبا ما تكون غير منتظمة، فهي تعمل، بالإضافة إلى ساعات الدوام، في المساء وفي أيام العطل.
لذا أسأل الجميع: ما ذا يمكن أن تفعل هذه السيدة وهي تود بكل صدق أن تربي طفلها الصغير وأن ترعى الكبير وتراجع له دروسه و أن تسير شؤون بيتها وأن تزور أهلها وأقاربها وأن تكون جزءا من مجتمعها؟ ماذا تفعل وهي تريد في نفس الوقت – ولا أحد ينكر عليها هذا الحق – أن تحافظ على المكانة المهنية التي تحصلت عليها عن جدارة و حتى أن تعززها؟
الأمثلة بالمئات والنقاش مفتوح لأن حال هؤلاء النسوة يذكرنا بقول الشاعر:
تكاثرت الظباء على خداش فما يدري خداش ما يصيد
يتواصل في الأعداد القادمة بحول الله..

 

شاهد أيضاً

حكاية صورة من الزمن الجميل لمدينة ازويرات!!/ المرابط ولد محمد لخديم

الصورة هي ميدان التأمل والفكر ومتابعة تفاصيلها يشعرك كأن شريطا سينمائياً يمر امامك في لحظة… …

اترك رد