مع القرآن لفهم الحياة (الحلقة الخامسة)/ المرابط ولد محمد لخديم

    مرجحا تعريف الجمهور لأنه أقرب للعقل والفهم ومستبعدا تعريف النظام ومن تبعه لعدم اعتماده على العقل والمنطق.
ولم يكن البوطي هو الوحيد الذي انتقد هذا التعريف بل هناك الكثير من الباحثين ممن ردوا عليه حتى أن الجاحظ سخر منه.
    يتقدم موقف الجمهور، كما قرره أبو بكر الباقلاني في كتابه إعجاز القرآن،(13) ليؤكد أن القول بالصرفة يهدم الأساس الذي قام عليه التحدي القرآني.
فالقرآن لم يتحدَّ العرب بأن يُمنعوا من الكلام، بل تحداهم أن يأتوا بمثله.
    ولو كان العجز ناشئًا عن منعٍ قهريّ، لما كان للكلام نفسه مزية ذاتية، ولأمكن – من حيث المبدأ – أن يكون أي نص آخر معجزًا إذا اقترن بالمنع ذاته.
    إن قوة حجة الباقلاني تكمن في بساطتها المنطقية: لو كان العرب قادرين ثم صُرفوا، لكان في مقدورهم قبل التحدي أو بعده أن يأتوا بنص يماثله في مستوى الفصاحة والنسق، لكن التاريخ الأدبي الجاهلي – على علوّ شأنه – لم يشهد نصًا يرقى إلى البنية القرآنية تركيبًا ودلالة وإيقاعًا وتشريعًا. فالإعجاز – إذن – صفة ذاتية في النظم، لا أثر خارجي مفروض.
    ويعزز هذا المعنى ما قرره محمد سعيد رمضان البوطي حين نبّه إلى أن الواقع التاريخي ذاته يكذب دعوى الصرفة. فمحاولات المعارضة لم تكن معدومة؛ بل وُجد من حاول، ولكن نتاجهم جاء واهيًا فاقدًا للتماسك والجلال البياني.
    تُروى في هذا السياق قصة الشاعر الجاهلي لبيد بن ربيعة الذي عُرف بفصاحته، فلما سمع القرآن انبهر ببيانه، ثم أسلم وترك الشعر. كما تُذكر محاولات نسبت إلى عبد الله بن المقفع في معارضة القرآن، غير أنها لم تُثمر نصًا يثبت أمام المقارنة.
عندما سمع لبيد أن محمدا صلى الله عليه وسلم يتحدى الناس بكلامه قال بعض الأبيات ردا على ما سمع، وعلقها على باب الكعبة، وكان التعليق على باب الكعبة امتيازا لم تدركه إلا فئة قليلة من كبار شعراء العرب ، وحين رأى أحد المسلمين هذا أخذته العزة، فكتب بعض آيات القرآن، وعلقها إلى أبيات لبيد، ومر لبيد بباب الكعبة في اليوم التالي، ولم يكن قد أسلم بعد، فأذهلته الآيات القرآنية، حتى إنه صرخ من فوره قائلا:(والله ما هذا بقول بشر، وأنا من المسلمين).
وكان من نتيجة تأثر هذا الشاعر العربي العملاق ببلاغة القرآن أنه هجر الشعر، وقد قال له عمر بن الخطاب رضي الله عنه يوما: يا أباعقيل: أنشدني شيئا من شعرك، فقرأ سورة البقرة, وقال: ماكنت لأقول شعرا بعد أن علمني الله سورة البقرة وآل عمران.(14).
أما قصة ابن المقفع فقد جائت في كتاب المستشرق (ولاستن) وعلق عليه بقوله: “.. إن اعتداد محمد بالإعجاز الأدبي للقرآن لم يكن على غير أساس، بل يؤيده حادث وقع بعد قرن من قيام دعوة الإسلام” (15)
    والحادث كما جاء على لسان المستشرق، هو أن جماعة من الملاحدة والزنادقة أزعجهم تأثير القرآن الكبير في عامة الناس، فقرروا مواجهة تحدي القرآن، واتصلوا لإتمام خطتهم بعبد الله بن المقفع 727م، وكان أديبا كبيرا. وكاتبا ذكيا. يعتد بكفاءته فقبل الدعوة للقيام بهذه المهمة..وأخبرهم أن هذا العمل سوف يستغرق منه سنة كاملة، واشترط عليهم أن يتكلفوا بكل ما يحتاج إليه خلال هذه المدة.
     ولما مضى على الاتفاق نصف عام، عادوا إليه، وبهم تطلع إلى معرفة ما حققه أديبهم لمواجهة تحدي رسول الإسلام، وحين دخلوا غرفة الأديب الفارسي الأصل، وجدوه جالسا والقلم في يده، وهو مستغرق في تفكير عميق، وأوراق الكتابة متناثرة أمامه على الأرض، بينما امتلأت غرفته بأوراق كثيرة، كتبها ثم مزقها….
    بغض النظر عن التفصيل التاريخي لكل رواية، فإن الدلالة العامة واضحة: التحدي كان مفتوحًا، والدواعي كانت قائمة، والخصومة كانت مشتعلة، ومع ذلك لم يظهر نص يضاهي القرآن في بنيته الكلية. ولو كانت الصرفة مانعًا قسريًا، لما وُجدت محاولات أصلًا، أو لكان العجز عامًا حتى في غير مجال القرآن، وهو ما لم يحدث.
إن القول بالصرفة يجعل العلاقة بين القرآن والعربية علاقة قسر، بينما يكشف التاريخ أنها علاقة إحياء وتأسيس.
فاللغة التي كانت لهجاتٍ متفرقة أصبحت بفضل النص القرآني نسقًا موحدًا، وحاضنةً لعلومٍ لم تكن لتنشأ بالصورة نفسها لولا هذا النص القرآن الكريم
     إن الإعجاز – في جوهره – ليس ظاهرة سحرية تقوم على تعطيل القدرة، بل هو تفوق نوعي يكشف حدود الطاقة البشرية أمام بنية بيانية مخصوصة. ولذلك فإن القول بالنظم لا ينفي القدرة البشرية من حيث الأصل، بل يثبت أن القرآن بلغ من الاتساق والجمال والتركيب والتشريع مبلغًا يعجز عنه البشر، لا لأنهم مُنعوا، بل لأنهم لم يبلغوا مستواه.
القرآن وبناء الوعي اللغوي…يتواصل..
ملاحظة: اجعل لنفسك مشروع دعوة: فالدعوة اليوم مسؤولية الجميع، ولكل شخص دوره حسب موقعه وقدرته.

شاهد أيضاً

مع القرآن لفهم الحياة (الحلقة الثالثة)/المرابط ولد محمد لخديم

     والعقل بعد أن يصل إلى الحكم بحقيقة وجود الله عن طريق الآثار التي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *